سيريا ستار تايمز

هل نسأل المجرّب ونتجاهل الحكيم؟


تخيّل لو أن البشرية اتبعت المثل الشعبي حرفياً: "اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم"، كنا اليوم نعيش في عالمٍ بلا طائرات ، لأن أول طيّار سقط، وبلا كهرباء، لأن أول من لمس السلك صُعق، بل ربما كنا سنعيش في كهوف، نكتب على جدرانها:
"لا تجرب شيئاً… فقد جرّبه أحدهم قبلك وفشل".
فالمفارقة أن المثل الذي يُفترض أن يكون بوابة للخبرة، تحوّل إلى بوابة للخوف، صار المجرّب (مهما كان محدوداً) صاحب فتوى، والحكيم (مهما كان بصيرا) مجرد "منظِّر".
إن التجربة في جوهرها حدث فردي لا أكثر، هي قصة شخص واحد، في لحظة واحدة، بظروف واحدة، وبمزاج واحد، ومع ذلك، يقدّمها البعض كأنها قانون فيزيائي لا يتغير.
المجرّب يخبرك بما حدث معه، لكنه لا يخبرك بما كان يمكن أن يحدث، ويخبرك عن الطريق الذي سلكه، لكنه لا يخبرك عن الطرق التي لم يرها أصلًا، والأهم: يخبرك عن خوفه، لا عن الحقيقة.
كم من مجرّب قال لك: "لا تدخل هذا المجال، خسرنا فيه"، بينما آخرون بنوا فيه إمبراطوريات، فالتجربة مرآة، لكنها مرآة مشروخة، تعكس شيئاً، وتخفي أشياءً أخرى.
بينما الحكمة، ليست رفاهية فكرية، بل فهما للحدث، والحكيم لا يعطيك "نتيجة"، بل يعطيك "منهجا"، لا يقول لك: "افعل كذا"، بل يقول: "انتبه لما وراء كذا"، والحكمة لا تخبرك بما حدث مع شخص، بل تخبرك بما يمكن أن يحدث معك أنت (أنت تحديداً) بظروفك، وطباعك، وقراراتك.

لماذا نحب المجرّب أكثر من الحكيم؟
لأن الإنسان يحب القصص الجاهزة، يحب أن يسمع: "جرّبت وفشلت" أكثر مما يحب أن يسمع: "فكّر قبل أن تفشل".
فالتجربة سهلة الهضم، بينما الحكمة تحتاج مضغا، ثم إن المجرّب يمنحك شيئا مغريا:
الإحساس بالأمان "لا تفعل هذا، أنا جربته"
جملة تبدو كأنها حماية، لكنها في الحقيقة قيد.

حين تتحول التجربة إلى سجن:
المجرّب دون أن يقصد — قد يورثك عقدهُ، قد يضع على كتفيك أثقالًا ليست لك ويزرع فيك خوفا لم يكن موجوداً، فالتجربة حين تُعمّم تتحول إلى عائق، وحين تُقدَّس تتحول إلى سجن، وحين تُتَّخذ قانوناً تتحول إلى كارثة، فكم من فكرة عظيمة ماتت لأنها لم تُجرب من قبل، وكم من مشروع وُئِد لأنه فشل مع شخص واحد، وكم من حلمٍ انطفأ لأن مجرِّبا قال: "لا تتعب نفسك".

المثل الشعبي، نصف الحقيقة:
"اسأل مجرب ولا تسأل حكيم"
مثل شعبي ذكي… لكنه ناقص، والمشكلة ليست في المثل، بل في طريقة فهمه، فالمثل لا يقول: "اسأل مجرب فقط"، ولا يقول: "لا تسأل حكيم أبدا"، لكننا _كالعادة _ أخذنا الجزء الأسهل، وتركنا الجزء الأعمق.
لقد صار من الغباء الاعتماد على تجربة واحدة، ومن الظلم تجاهل حكمة كاملة، لذلك ربما حان الوقت لنحدّث المثل الشعبي إلى: "اسأل مجرب، واسأل حكيم، ثم اسأل نفسك، فأنت التجربة القادمة، والحكمة التي لم تُكتب بعد".

بقلم صبحي سلام- سيريا ستار تايمز ,