سيريا ستار تايمز

دعم أمريكي وراء الكواليس.. خاليسكو: عصابة مخدرات عابرة للقارات قادها إل مينشو


لقي نيمسيو أوسيغويرا، المعروف باسم "إل مينشو"، زعيم إحدى أخطر عصابات المخدرات المكسيكية، مصرعه بعد عملية عسكرية نفّذتها الحكومة المكسيكية في ولاية خاليسكو. مقتله شكّل نقطة تحول في الحرب المكسيكية على تجارة المخدرات، إذ كشفت عن حجم النفوذ العميق لعصابات المخدرات، وأساليبها العنيفة في التهريب والسيطرة على المناطق. وتزعم "إل مينشو" لفترة طويلة إحدى أقوى عصابات المخدرات في المكسيك، وهي "كارتل خاليسكو للجيل الجديد"، ويُعتبر من أكثر الشخصيات الإجرامية عنفا في البلاد.

نشاطات عابرة للحدود
تأسست عصابة "خاليسكو للجيل الجديد" في عام 2009 بعد انشقاقها عن عصابة سينالوا، قبل أن تتحوّل سريعا إلى تنظيم مستقل بقيادة "إل مينشو". ومع توسّع نفوذها، دخل الطرفان في صراع مباشر على طرق التهريب ومناطق السيطرة داخل المكسيك وخارجها. وحتى العام الماضي، كانت العصابة تُعَد المنافس الرئيسي لـ"سينالوا"، واحدة من أقدم وأقوى شبكات المخدرات في البلاد، وفق دليل مكافحة الإرهاب الوطني الأمريكي. وتخوض "خاليسكو" صراعات مع منافسين في عدة ولايات، وتهرّب المخدرات الصناعية مثل الكوكايين والميثامفيتامين، إضافة إلى الفنتانيل في السنوات الأخيرة، إلى أستراليا وكندا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفقا للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب. وتضم العصابة نحو 15 ألفا إلى 20 ألف عضو وفق تقديرات الحكومة الأمريكية، ويُعتَقد أنها تحقق مليارات الدولارات سنويا من أنشطتها الإجرامية، التي تشمل تهريب المخدرات والابتزاز والقطع غير القانوني للأشجار والتنقيب وتهريب المهاجرين. وتعتمد على العنف والترهيب لضمان سيطرتها، وتُنفِّذ إعدامات علنية وتعرض الجثث في الأماكن العامة، كما تنشر أحيانا أعمالها على وسائل التواصل الاجتماعي. اعتمد "إل مينشو" في توسيع نفوذ عصابته على بناء تحالفات مع جماعات إجرامية محلية أصغر خارج معاقلها الرئيسية في ولايات خاليسكو وناياريت وكوليما، مما أتاح له ترسيخ حضور التنظيم في مناطق جديدة وتعزيز شبكة انتشاره.

تحول الاهتمام في المكسيك مؤخرا إلى عصابة "خاليسكو"، التي لم تعد مقتصرة على تهريب المخدرات، بل توسّعت لتشمل أعمالا أخرى غير مشروعة مثل سرقة الوقود وتهريب النفط الخام، وفق وزارة الخزانة الأمريكية. ولم يقتصر نشاطها على التوسّع الاقتصادي، بل سعت أيضا لاستهداف المسؤولين، ففي 2020، حاول أعضاء من الجماعة اغتيال وزير الأمن عمر غارسيا حرفوش عندما كان يشغل منصب رئيس أمن مدينة مكسيكو. الأمر الذي دفع وزارة الخارجية الأمريكية لتصنيف العصابة العام الماضي كمنظمة إرهابية أجنبية، مما يجعل أي تعامل مالي أو تجاري معها خاضعا لمخاطر قانونية كبيرة.

صراع النفوذ
وعلى الرغم من أن المكسيك أطلقت منذ عقد أقوى حملات ضد عصابات المخدرات، فإن مقتل "إل مينشو" قد يخفف الضغط السياسي من الإدارة الأمريكية التي كانت تهدد بشن ضربات ضد العصابات. ومع ذلك، تشير التحليلات الأمنية إلى أن هذه الإمبراطوريات الإجرامية قوية وغنية ومتجذرة لدرجة يصعُب القضاء عليها بسهولة. واللافت أن الرد العنيف على مقتل زعيم العصابة كشف حجم القوة التي تمتلكها هذه الجماعات وقدرتها على تحدي الدولة ميدانيا، إذ أدت أعمال العنف التي اندلعت بعد مقتله إلى تعطيل حركة المرور وتعليق النقل العام وإلغاء بعض الرحلات الجوية، بينما نصحت السلطات السكان بالبقاء في منازلهم.

وحذّر أحد أعضاء العصابة من احتمال تصاعد القتال بين مجموعات مختلفة تتنافس على السيطرة بعد مقتل "إل مينشو"، ونقلت رويترز عنه قوله إن الهجمات انتقامية وبدأت ضد الحكومة وستتحول لاحقا إلى صراعات داخلية بين العصابات. وأظهرت تجارب سابقة في المكسيك أن استهداف قادة عصابات المخدرات غالبا ما تفتح الباب أمام موجات عنف جديدة، إما انتقاما للزعيم أو نتيجة صراع على مناطق النفوذ. ويرى خبراء أن مستقبل عصابة "خاليسكو الجيل الجديد" سيتحدد بمدى وضوح آلية الخلافة داخلها، فإذا لم تكن هناك قيادة متماسكة، فقد يؤدي غياب الزعيم إلى تفكك داخلي واندلاع دورة جديدة من المواجهات.

دعم أمريكي وراء الكواليس
لعبت الولايات المتحدة دورا استخباراتيا في الغارة العسكرية التي قتلت "إل مينشو"، من خلال مجموعة عمل متخصصة في جمع المعلومات الاستخباراتية عن عصابات المخدرات، حسب مسؤول دفاعي أمريكي لرويترز. وذكر مسؤولون أمريكيون أيضا أن مجموعة العمل المشتركة بين الوكالات لمكافحة عصابات المخدرات، ‌والتي تضم عدة وكالات حكومية أمريكية، تشكّلت بشكل سري في نهاية العام الماضي بهدف تحديد أعضاء عصابات المخدرات على جانبي الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك. وشدد المسؤول على أن الغارة نفسها كانت عملية عسكرية مكسيكية، بينما اقتصرت مشاركة الولايات المتحدة على تقديم معلومات استخباراتية مكملة، حسب وزارة الدفاع المكسيكية. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد رصدت مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على "إل مينشو". وبعد مقتله سارعت واشنطن للترحيب بالخبر، ووصف كريستوفر لاندو، نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق والسفير لدى المكسيك في إدارة ترمب، "إل مينشو" بأنه "واحد من أكثر زعماء المخدرات دموية وقسوة"، مشيرا إلى أن مقتله يُمثل ضربة مهمة لشبكة تهريب المخدرات العابرة للحدود.

ووفقا لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، تُعَد عصابة "خاليسكو" واحدة من أكبر التهديدات للصحة والسلامة العامتين والأمن القومي للولايات المتحدة، وتُدير العصابة مختبرات سرية في المكسيك لصناعة المخدرات غير القانونية، ثم ينقلها عبر شبكات توزيع واسعة إلى الولايات المتحدة. ويعمل شركاؤها والتابعون لها في معظم الولايات الأمريكية الخمسين. وسبق أن عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مايو/أيار إرسال قوات أمريكية إلى المكسيك لمساعدتها في مكافحة تهريب المخدرات، وهو ما رفضته رئيسة المكسيك. وقال ترمب علانية إن الولايات المتحدة ستتخذ إجراء عسكريا أحادي الجانب إذا فشلت المكسيك في تفكيك عصابات المخدرات. بينما تُعارض رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم أي تحرك أمريكي داخل بلادها، لكنها تعهدت بالعمل عن كثب مع واشنطن، بما في ذلك من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية.

سيريا ستار تايمز - syriastartimes,