سيريا ستار تايمز

تعدد الزوجات بين الحلال الديني والحرام الاجتماعي


يبدو أن تعدد الزوجات يعيش اليوم مفارقة لافتة؛ فكلما كان الحكم الشرعي واضحاً في النصوص، ازداد حضوره التباساً في الوعي الاجتماعي، فالمجتمع يعرف تماماً ما يقوله الدين، لكنه يتعامل مع التعدد كصندوق مغلق يفضّل ألا يُفتح أمام الآخرين، وكأننا أمام موضوع “مسموح دينيا” لكنه “محرَّم اجتماعيا”، ويظل السؤال الحقيقي معلّقا: كيف تحوّل حكم ديني واضح إلى موضوع لا يُناقش إلا همساً، وكأنه سرّ عائلي يجب إخفاؤه، أو كأن مجرد ذكره قد يهدد استقرار المجالس العائلية أكثر مما تهددها المواضيع الأخرى؟
أنا شخصياً مع التعدد، لأنني أرى أن ما أحلّه الله لا يحتاج إلى إذن من “لجنة الذوق العام”، وأن النقاش حوله يجب أن يكون عقلانياً لا انفعالياً، لكن يبدو أن المجتمع يفضّل التعامل مع التعدد كأنه قنبلة صوتية: لا تؤذي أحداً، لكنها تُربك الجميع.

النص القرآني أباح التعدد بشروط دقيقة، أهمها القدرة على العدل في النفقة والمسكن والمبيت، أما الميل القلبي فخارج قدرة الإنسان، ولذلك قال النبي ﷺ: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك»، فالشرع إذن يطالب بالعدل المادي لا العاطفي، لكن المجتمع يصرّ على خلط الأوراق، فيحوّل الميل القلبي والعدل المادي إلى شرطين أساسيين.

والمضحك أن أغلب المجتمعات التي ترفض التعدد بحجة (استحالة العدل) هي نفسها التي تتسامح مع علاقات غير شرعية ما دامت مخفية، وكأن المشكلة ليست في تعدد العلاقات، بل في تعدد العقود الرسمية، ما يُستنكر غالباً ليس الفعل، بل “الصورة العامة”: زواج ثانٍ معلن يُعدّ فضيحة، بينما علاقة خفية تُعامل كـ زلة يمكن تجاوزها، بشرط ألا تلتقطها كاميرا أحد الأقارب.

اللافت أن بعض المدافعين عن التعدد يرفعون شعار “السنّة” بينما يغفلون أن السنة ليست في العدد بل في العدل، والعدل التزام مادي يمكن قياسه بالبيت المستقل والنفقة العادلة والوقت الموزع بإنصاف، وفي المقابل، كثيرون من الرافضين لا يستندون إلى قراءة فقهية، بل إلى تجارب شخصية مؤلمة أو قصص عن ظلم وسوء تطبيق، وكأن التعدد هو الشرير الرسمي في كل مسلسل اجتماعي، وهكذا يتحول النقاش من بحث عن حكم إلى صراع بين تجارب فردية وانطباعات عامة، فالتعدد اليوم ليس مواجهة بين التدين والتحضر، ولا بين الرجولة وحقوق المرأة، بل نقطة التقاء بين نص ثابت وواقع متغير، فالشرع وضع الإطار: إباحة مشروطة بعدل وقدرة، بينما المجتمع أضاف طبقة من الأحكام غير المكتوبة: “ما يليق” و“ما لا يليق”، “ما يُقال” و“ما يجب إخفاؤه”، وكأننا أمام شريعة سماوية وشريعة أخرى اسمها “ماذا سيقول الناس؟”.

السؤال الأهم إذن ليس: “هل أنت مع التعدد أم ضده؟”، بل: “هل نفهم حقاً شروطه وتبعاته، أم نناقش صورة ذهنية صنعها الخوف أو الحماس؟” فبين رجل يراه حقاً مطلقاً، ومجتمع يراه جريمة اجتماعية، تضيع الحقيقة في المنتصف: ما أحلّه الله لا يصبح حراماً لأن الناس استثقلوه، وأنا —بوصفي مؤيداً للتعدد— أرى أن المشكلة ليست في الحكم، بل في سوء الفهم، وسوء التطبيق، وسوء الظن.

قد يبقى التعدد خياراً محدود الانتشار، لكنه سيظل مرآة تكشف علاقتنا المعقدة بين الدين والعرف، وبين النص والسمعة، بين ما نملك أن نعدِل فيه وما لا نملك، والتحدي الحقيقي ليس في زيادة أو تقليل عدد الزيجات، بل في فهم كيف نعيش نصاً دينياً قديماً في واقع اجتماعي جديد دون أن نظلم النص أو نظلم الناس، ودون أن نواصل التعامل مع التعدد كأنه فيلم رعب اجتماعي ممنوع من العرض.


بقلم صبحي سلام,