الدماغ البشري يعمل بطاقة تعادل مصباحاً خافتاً

يُعد الدماغ البشري أحد أكثر الأنظمة الحيوية كفاءة في استهلاك الطاقة على الإطلاق. فبالرغم من قدرته الهائلة على التفكير والتحليل والتعلم والتحكم في جميع وظائف الجسم، فإنه يعمل بطاقة تبلغ نحو 20 واط فقط، وهي طاقة تعادل تقريبًا استهلاك شاشة كمبيوتر عادية أو مصباح كهربائي خافت. ويمثل الدماغ حوالي 2% فقط من وزن جسم الإنسان، لكنه يستهلك ما يقارب 20% من إجمالي طاقة الجسم في حالة الراحة. وتُستخدم هذه الطاقة في تشغيل مليارات الخلايا العصبية التي تنقل الإشارات الكهربائية والكيميائية داخل الدماغ، ما يسمح بحدوث عمليات التفكير والإدراك والتذكر والتحكم بالحركة والتنفس ووظائف الجسم الحيوية، بحسب تقرير في موقع "IFLScience" العلمي. ويحتوي الدماغ البشري على ما يقارب 86 مليار خلية عصبية مرتبطة بنحو 100 تريليون وصلة عصبية، وهو ما يشكل شبكة معقدة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات في الوقت نفسه. وعلى الرغم من هذه القدرة الهائلة، فإنه يعمل بطاقة صغيرة جدًا مقارنة بالأجهزة الإلكترونية الحديثة.
وتشير الدراسات إلى أن الدماغ يستطيع تنفيذ عمليات حسابية هائلة تعادل تقريبًا قدرات الحواسيب الفائقة، ومع ذلك يستهلك حوالي 20 واط فقط من الطاقة. في المقابل، تحتاج بعض الحواسيب العملاقة إلى ملايين الواطات لتحقيق مستوى مشابه من القدرة الحسابية. وهذا الفارق الكبير في استهلاك الطاقة يوضح مدى كفاءة الدماغ البشري مقارنة بالأنظمة الرقمية الحالية، حيث تعتمد الحواسيب على ملايين المعالجات التي تعمل باستمرار، بينما يعمل الدماغ بطريقة مختلفة تعتمد على تنشيط الخلايا العصبية فقط عند الحاجة، بحسب دراسات من جامعة سيدني. ويرجع تفوق الدماغ في كفاءة الطاقة إلى عدة عوامل، منها المعالجة المتوازية؛ حيث يعمل الدماغ عبر شبكة ضخمة من الخلايا العصبية التي تعالج المعلومات في وقت واحد. وكذلك التنشيط عند الحاجة، حيث لا تعمل جميع الخلايا العصبية في الوقت نفسه، مما يقلل استهلاك الطاقة. إضافة إلى الدمج بين الذاكرة والمعالجة؛ ففي الدماغ، تتم معالجة المعلومات وتخزينها في الشبكات نفسها، بينما تحتاج الحواسيب إلى نقل البيانات بين المعالج والذاكرة، وهو ما يستهلك طاقة إضافية.
مصدر إلهام
وتسعى العديد من الأبحاث الحديثة إلى تقليد طريقة عمل الدماغ من أجل تطوير حواسيب أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وهو ما يعرف باسم الحوسبة المستوحاة من الدماغ (Neuromorphic Computing). ويأمل العلماء أن تساعد دراسة كفاءة الدماغ في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على العمل بطاقة أقل بكثير من الأنظمة الحالية. ويبقى الدماغ البشري مثالًا مذهلًا على الكفاءة البيولوجية، حيث يستطيع تشغيل أعقد نظام معرفي معروف في الكون بطاقة لا تتجاوز 20 واط فقط. وهذه الحقيقة لا تعكس فقط عبقرية التصميم البيولوجي، بل تشكل أيضًا مصدر إلهام لتطوير تقنيات الحوسبة والذكاء الاصطناعي في المستقبل.