
أحياناً يخطر لي أن الصيام يكشف البشر أكثر مما يغيّرهم، ففي شهرٍ يفترض أن يكون موسماً لتهذيب النفس، تتحول بعض الشوارع قبيل المغرب إلى مختبر صغير لدراسة الأخلاق البشرية تحت ضغط الجوع، يكفي أن تقف في طابور الخبز أو في إشارة مرور مزدحمة لتدرك أن الجوع ليس المشكلة الحقيقية؛ المشكلة في شيء آخر أعمق، شيء يسكن داخل الإنسان وينتظر الفرصة المناسبة ليخرج، فالمشهد يتكرر كل عام تقريباً، وكأن الصيام أصبح في بعض الحالات تفسيراً مختصراً لسوء المزاج.
المفارقة أن الصيام في جوهره ليس تجربة غذائية بقدر ما هو تجربة أخلاقية، والامتناع عن الطعام ليس الهدف النهائي، بل مجرد تمرين صغير على فكرة أكبر، أن الإنسان قادر على ضبط نفسه، فإذا استطاع أن يسيطر على رغبة بيولوجية أساسية مثل الأكل، فمن المفترض أن يكون قادراً على السيطرة على رغبات أبسط بكثير، مثل الغضب، لكن الواقع اليومي يقدّم أحياناً نسخة مختلفة تماماً من النظرية.
يبدو أن بعض الناس يستطيعون مقاومة الجوع لساعات طويلة، لكنهم يعجزون عن مقاومة كلمة عابرة، يتحملون العطش طوال النهار، ثم يفقدون أعصابهم بسبب تأخير بسيط في طابور، وكأن الطاقة التي كان يفترض أن تُستخدم في تهذيب النفس تتحول فجأة إلى وقود إضافي للانفعال.
وهنا يظهر المشهد الأكثر طرافة في هذا الفصل السنوي من الحياة الاجتماعية، بعض الصائمين بعد أن يرفعوا أصواتهم ويقولوا ما لا يُقال، وربما يفعلوا "العجائب" في لحظة غضب قصيرة، يتذكرون فجأة جملة صغيرة تبدو كأنها زر إعادة ضبط أخلاقي، فيهدأ الصوت قليلاً، ويقال بوقار متأخر:
الغريب أن الجملة نفسها جميلة وعميقة في معناها الأصلي، فهي تذكير للنفس قبل أن تكون تذكيراً للآخرين: أنا في حالة عبادة، ينبغي أن أضبط نفسي، لكن حين تُقال بعد أن تنتهي المعركة الكلامية، تصبح أحياناً أشبه بخاتمة شعرية لمعركة كان من المفترض ألا تبدأ أصلاً.
تخيل شخصاً يرفع صوته خمس دقائق كاملة في نقاش حاد، ثم فجأة يتذكر الصيام ويعلن ذلك بهدوء مفاجئ، كأن الصيام كان فكرة طارئة دخلت إلى الحوار متأخرة قليلاً.
لكن هذه المفارقة، رغم طرافتها، تكشف شيئاً مهماً جداً في طبيعة البشر، الصيام لا يصنع الأخلاق من الصفر، بل يكشف ما هو موجود أصلاً، إنه يشبه الضوء القوي في غرفة معتمة، لا يخلق الفوضى، لكنه يجعلها مرئية.
فحين يكون الإنسان هادئاً بطبعه، يزيده الصيام هدوءاً، وحين يكون سريع الغضب، قد يزيد الصيام من وضوح هذه الصفة أيضاً، ولهذا ترى المشهدين المتناقضين في الوقت نفسه، ترى شخصاً يقف في طابور مزدحم قبل الإفطار بدقائق، ومع ذلك يبتسم ويقول لمن خلفه: "تفضل قبلي"، وترى آخر في نفس المكان يتصرف وكأنه يخوض معركة شخصية مع البشرية.
الفرق بينهما ليس في الصيام نفسه، بل في ما يحمله كل منهما داخله قبل أن يبدأ اليوم، ربما لهذا السبب يبدو الصيام في جوهره، تجربة صادقة جداً.، لأنه يضع الإنسان أمام نفسه، لا توجد هنا وسائل تجميل كثيرة، فالجوع يزيل قليلاً من الطبقة الاجتماعية الرقيقة التي نتعامل بها مع الآخرين، ويترك الطباع الحقيقية أقرب إلى السطح، وفي هذا الاختبار الصغير تظهر النتائج المتباينة.
بعض الناس يصبحون أكثر لطفاً، كأن الجوع يذكرهم بضعف الإنسان فيلينون، وبعضهم يصبح أكثر حدة، كأن الجوع يسحب منهم آخر احتياطيات الصبر، ومع ذلك، تبقى الفكرة الجميلة للصيام قائمة رغم كل هذه المفارقات، فالغرض من التجربة ليس أن تكون مثالية منذ اليوم الأول، بل أن تكون فرصة للتأمل، فرصة ليرى الإنسان نفسه كما هي.
ربما لهذا السبب يبدو السؤال الحقيقي في نهاية اليوم مختلفاً قليلاً عن السؤال المعتاد،
ليس: هل صام الإنسان أم لا؟
بل سؤال أكثر هدوءاً، وربما أكثر صدقاً:
هل صام الجسد فقط… أم صامت معه الأخلاق أيضاً؟