مقاطع صادمة لأطفال يعبثون بالألغام في سوريا

في البادية السورية، ولا سيما في ريفي الرقة ودير الزور، يبدأ مع كل موسم أمطار رعدية بحث واسع عن فطر الكمأة (الفقع) الذي ينتشر بكثرة في تلك المنطقة، غير أن هذه الرحلة التي يُفترض أن تكون موسمية وبحثا عن الرزق تحولت إلى مغامرة محفوفة بالموت بسبب انتشار الألغام التي خلفتها أطراف النزاع المتعاقبة، من قوات نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مرورا بتنظيم "الدولة الإسلامية". حيث ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة تظهر أطفالا في محيط بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي، وهم يعبثون بألغام أرضية في محاولة بدائية لتفكيكها، عبر رميها بالحجارة وضربها بقوة أو محاولة فك الصاعق، في مشاهد عكست حجم الجهل بخطورة هذه المخلفات وغياب أي رقابة أو توعية حقيقية.
وأظهر تسجيل آخر نجاة طفل بأعجوبة أثناء لعبه في حقل يضم ألغاما في منطقة عين عيسى شمالي الرقة بعد أن انفجر اللغم وهو قريب منه قبل أن ينسحب الطفل دون أن يظهر حجم إصابته.
في حين وثّق مقطع ثالث كشف السيول الأخيرة عن حقل ألغام قديم في بادية دير الزور، ما زاد من المخاوف حيال اتساع رقعة الخطر مع تغير العوامل المناخية وجرف السيول للتربة السطحية.
وفي فيديو صادم آخر يظهر أطفال في بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي وهم يعبثون براجمة صواريخ وطلقات من عيار 23 من مخلفات قسد .
انتشار هذه المقاطع أعاد ملف الألغام في سوريا إلى واجهة النقاش على منصات التواصل، إذ وصف ناشطون مشاهد لعب الأطفال بالألغام بأنها "استهتار خطير" يستدعي تدخل الجهات المختصة بشكل عاجل لحماية الأطفال وسكان المنطقة، وتنفيذ عمليات إزالة وتفكيك للألغام بطرق هندسية مدروسة.
ووجهت صفحات محلية في عين عيسى نداءات إلى الأهالي بضرورة توعية الأطفال بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة على نطاق واسع في البلدة ومحيطها، وتنبيههم لعدم الاقتراب من أي جسم مشبوه أو العبث به، لما يشكّله ذلك من تهديد مباشر لحياتهم.
في السياق نفسه، حذر ناشطون من تزايد حوادث انفجار الألغام التي تصيب في الغالب جامعي الكمأة في بادية الرقة ودير الزور، مشيرين إلى رصد ارتفاع في عدد الإصابات خلال الأسابيع الماضية. ودعا هؤلاء الأهالي في عموم المنطقة الشرقية إلى الامتناع مؤقتا عن الخروج إلى البادية بحثا عن الكمأة، في ظل "ارتفاع مستوى الخطر بشكل غير مسبوق نتيجة الانتشار الكثيف للألغام".
وتصاعدت على منصات التواصل المطالبات باتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين البادية وتسريع عمليات إزالة المخلفات المتفجرة، حماية لسكان القرى والبلدات، ولا سيما الأطفال، وسط تساؤلات حادة عن غياب الدور الحكومي. وتساءل معلقون عن مسؤولية الدولة، وبخاصة وزارة الطوارئ والكوارث ووزارة الدفاع، وعن أسباب عدم الحصول على خرائط توثق مواقع الألغام في المناطق التي كانت خاضعة سابقا لسيطرة قسد أو قوات النظام.
"الرقة لا تعيش التحرير، بل تعيش الموت المؤجل"، عبارة كتبها أحد المعلقين لتلخص شعورا واسعا لدى سكان المنطقة الذين يرون أن خطر الحرب لا يزال حاضرا في تفاصيل حياتهم اليومية عبر الألغام ومخلفات القتال. وطالب سوريون عبر المنصات الإلكترونية الحكومة بالاستعانة بفرق دولية متخصصة لإجراء مسح شامل لمناطق البادية التي شهدت معارك بين مختلف الأطراف المسلحة، ووضع خطة زمنية واضحة لإزالة الألغام وتأمين الطرق ومناطق الرعي وجمع الكمأة.
وكان "الدفاع المدني السوري" قد أعلن في وقت سابق أن 40 شخصا، بينهم 8 أطفال وامرأة، قُتلوا في سوريا جراء انفجار ألغام ومخلفات حرب خلال الفترة بين 27 أكتوبر/تشرين الأول 2024 و19 يناير/كانون الثاني 2025، في إحصاء يعكس حجم الكارثة المستمرة التي تهدد حياة المدنيين في مختلف المناطق السورية.