
في إحدى الجلسات العائلية، قال رجل كبير في السن وهو يبتسم نصف ابتسامة: "همّ البنات للممات"، فهزّ الحاضرون رؤوسهم بتواطؤ اجتماعي مألوف، كأنهم يرددون حكمة نهائية لا تقبل المراجعة، والمدهش أن بعض هؤلاء الحاضرين أنفسهم يحفظون حديث النبي ﷺ: "من كان له ابنتان فأحسن تربيتهما كنّ له سترا من النار" أو كما ورد في المعنى، لكن أحدا لا يرى التناقض الصارخ بين حكمة النبي وحكمة العادة، كيف تحوّل الكائن الذي جعله الوحي طريقا إلى الجنة، إلى "همّ" يُعلّق في عنق الأب حتى الممات؟
المقولة الشعبية لا تقف عند حدود المزاح؛ إنها تعكس بنية ذهنية ترى في البنت مشروع خسارة مؤجلة، أو عبئا اجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا، حين تُولد بنت يتسابق البعض إلى تعداد المخاوف: التربية، السمعة، الزواج، نظرة المجتمع، وكأنها كائن هشّ محاط بالأخطار من كل جانب. ولكن في المقابل، يُستقبل الذكر غالبا بوصفه "سندا وعزوة"، مع أن الواقع لا يضمن شيئا من ذلك، هنا تظهر السخرية المريرة: المجتمع الذي يشتكي من "همّ البنات" هو نفسه الذي يحمّل الفتاة أوزار منظومة كاملة من الأعراف والضغوط، ثم يلومها على كونها "مصدر قلق".
وبالعودة إلى الحديث النبوي، نجد تصورا مختلفا جذريا: البنت ليست عبئا، بل فرصة أخلاقية وروحية، من يُحسن تربيتها ينال أجرا عظيما، وتتحول العلاقة من معادلة "همّ" إلى معادلة "ستر وثواب".
فالمقولة الشعبية تنطلق من منطق الخوف: الخوف من كلام الناس أو المستقبل أو الفقر، أما الحديث فينطلق من منطق المسؤولية: مسؤولية التربية والرعاية والعدل والرحمة، بين الخوف والمسؤولية مسافة كاملة تفصل بين ثقافة ترى في البنت مشكلة وثقافة ترى فيها أمانة.
اللافت أن كثيرا من المخاوف التي تُعلّق على البنات ليست نابعة منهن، بل من المجتمع نفسه، حين يُقال إن "البنت همّ"، فإن المقصود غالبا هو أن المجتمع قاسٍ، وأن المعايير الأخلاقية تُطبّق عليها بصرامة مضاعفة، وأن أي خطأ -ولو بسيط- قد يتحول إلى وصمة، فبدل أن نراجع هذه المعايير نختار الطريق الأسهل: نحمّل البنت مسؤولية هشاشة منظومة كاملة، ليصبح الحل في المقياس الشعبي، هو "التحكم" و"المنع" و"الرقابة"، لا إصلاح البيئة التي تجعل من حياة الفتاة حقل ألغام.
من زاوية أخرى، تكشف التجارب المعاصرة أن الصورة النمطية عن "همّ البنات" لا تصمد أمام الواقع، في كثير من الأسر تكون البنات أكثر تماسكا في رعاية الوالدين عند الكبر، وأكثر حضورا في تفاصيل الحياة اليومية، وأكثر التزاما بالعلاقات العائلية، هذا ليس تعميما مثاليا لكنه حقيقة تتكرر بما يكفي لتطرح سؤالا جادا: إذا كان "الهمّ" هو من يبقى إلى جوارك في المرض والشيخوخة، فمن هو الهمّ الحقيقي إذن؟ الابنة التي تلازم والدتها في المستشفى أَم الابن الذي غاب بحجة الانشغال؟
فالمعادلة هنا مؤلمة، المجتمع الذي يردد "همّ البنات للممات" هو نفسه الذي يعتمد على البنات في حمل الجزء الأكبر من الأعباء العاطفية والعائلية، والبنت مطالبة بأن تكون متفوقة في الدراسة، مهذبة في السلوك، متوازنة في المشاعر، حاضرة في خدمة الأسرة، ثم تُختزل في النهاية إلى "همّ"، كأن كل هذا الجهد لا يكفي لترقيتها من خانة العبء إلى خانة القيمة، في المقابل يُمنح الذكر أحيانا هامشا واسعا من التساهل، مع أن المنطق يقول إن المسؤولية الأخلاقية مشتركة.
إذا وضعنا المقولة الشعبية في سياقها التاريخي، سنجد أنها نتاج زمن كانت فيه البنية الاقتصادية والاجتماعية مختلفة، الزواج كان تحديا ماديا كبيرا، والسمعة كانت تُختزل في سلوك الفتاة، والخيارات المتاحة للنساء محدودة، لكن المشكلة ليست في أن المقولة ظهرت في ذلك السياق، بل في أنها استمرت بعد تغيّر الظروف، فاليوم البنات يتعلمن ويعملن ويشاركن في إعالة الأسرة، ويحققن نجاحات علمية ومهنية لافتة، ومع ذلك لا تزال العبارة نفسها تُقال بالبساطة ذاتها، كأن الزمن لم يتحرك.
من الناحية القيمية، يتعارض هذا الخطاب مع روح النصوص الدينية التي ترفع من شأن البنت، وتربط حسن معاملتها بمقامات عالية من الأجر، حين يُقال إن من كان له ابنتان فأحسن تربيتهما كنّ له سترا من النار، فهذا يعني أن البنت ليست "همّا" بل "فرصة نجاة".
والمفارقة أن بعض من يرددون هذا الحديث في المناسبات الدينية، لا يجدون حرجا في ترديد "همّ البنات للممات" في المناسبات الاجتماعية، هذا الانفصام بين الخطاب الديني والخطاب الشعبي ليس تفصيلا لغويا، بل مؤشر على خلل أعمق في ترتيب الأولويات.
على المستوى النفسي، لا يمكن تجاهل أثر هذه العبارات على وعي الفتيات بأنفسهن، حين تكبر طفلة وهي تسمع أن وجودها "همّ"، فإنها قد تحمل في داخلها شعورا غير معلن بالذنب أو النقص، حتى لو لم تُصرّح بذلك، تتحول العلاقة بينها وبين ذاتها إلى معركة صامتة، هل هي نعمة كما يقول الدين، أم عبء كما يقول المجتمع؟ هذا التناقض يترك أثرا طويل الأمد على ثقتها بنفسها، وعلى قدرتها في اتخاذ قرارات حرة ومسؤولة.
يمكن إعادة صياغة العلاقة مع البنات من منظور مختلف تماما، فبدل أن تكون البنت "همّا"، يمكن أن تكون "مشروعا إنسانيا" يختبر فيه الأبوان قدرتهم على العدل والرحمة والتربية الواعية، هنا يلتقي المعنى الديني بالمعنى الإنساني، تربية البنات ليست عبئا إضافيا، بل مساحة لتجسيد القيم التي ندّعي الإيمان بها، وإذا كان الحديث النبوي يعدّ من يحسن تربية ابنتين بالجنة، فإن هذا الوعد ليس مجرد مكافأة أخروية، بل اعتراف بقيمة الجهد المبذول في بناء إنسان سويّ.
حان الوقت لنضع هذه المقولة الشعبية تحت المجهر، بوصفها خطاب ينتج آثارا حقيقية في الوعي والسلوك، "همّ البنات للممات" ليست قدرا، بل اختيارا لغويا وثقافيا يمكن تجاوزه، ربما الأجدر أن نقول: البنات مسؤولية نعم، لكنهن أيضا نعمة وسند وفرصة لتجسيد أرقى ما فينا من قيم، ولكن هل نملك الشجاعة لنستبدل حكمة العادة بحكمة الوحي، أم سنواصل ترديد عبارة نعرف في أعماقنا أنها تظلم البنات… وتظلمنا نحن قبلهم؟