قلق أوروبي من اتفاق سيئ مع طهران.. يخلق مشاكل لا تنتهي

فيما أعرب بعض الحلفاء الأوروبيين عن خشيتهم من أن يدفع فريق التفاوض الأميركي باتجاه اتفاق إطاري سريع مع إيران يحقق ضجة إعلامية، لكنه قد يُكرّس المشكلات العميقة بدل حلّها، أكد مصدر في البيت الأبيض أن الإدارة أوضحت خطوطها الحمراء في أي اتفاق مرتقب. وكشف دبلوماسيون سابقون لديهم خبرة في التعامل مع طهران أن الدول الأوروبية تخشى أن تسعى واشنطن، المتلهفة لتسجيل إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترامب، إلى إبرام اتفاق سطحي بشأن البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات، ثم تجد نفسها عالقة لأشهر أو سنوات في مفاوضات لاحقة معقّدة تقنيا، حسب ما نقلت وكالة "رويترز".
" اتفاق أولي سيئ"
بدوره أوضح دبلوماسي أوروبي رفيع أن "القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق أوّلي سيئ يخلق مشكلات لا تنتهي لاحقًا. كما قال دبلوماسيون آخرون إن التوصل إلى اتفاق هيكلي مبسّط يقوم على حزمة نووية وأخرى اقتصادية، قد يكون ممكنا، إلا أنهم حذّروا من أن الشق النووي لا يزال الأكثر تعقيداً. وأردف دبلوماسي أوروبي ثانٍ أن "الأميركيين يعتقدون أنه يمكن الاتفاق على ثلاث أو أربع نقاط في وثيقة من خمس صفحات وينتهي الأمر، لكن في الملف النووي، كل بند يفتح بابًا لعشرات الخلافات الأخرى". في حين شدد جيرار أرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009 على أن التفاوض مع إيران دقيق وحساس، فكل كلمة لها وزن. هذا ليس أمرًا يمكن التسرع فيه".
"خطوط حمراء"
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي أن "لدى ترامب سجلا مثبتا في إبرام صفقات جيدة نيابة عن الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل إلا باتفاق يضع أميركا أولاً". بينما شدد مسؤول رفيع في إدارة ترامب على أن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل إنهاء تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الرئيسية، واستعادة اليورانيوم عالي التخصيب، وقبول إطار أوسع لخفض التصعيد بمشاركة حلفاء إقليميين.
اليورانيوم والتخصيب
هذا، وتركّز المحادثات الحالية على مخزون إيران من نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهي مادة يمكن استخدامها لصنع عدة أسلحة نووية إذا جرى تخصيبها بدرجة أعلى. إذ تعتبر طهران أن خيارها المفضّل هو "خفض التخصيب" داخل البلاد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إمكانية القبول بخيار آخر يتمثل بنهج هجين، حيث يُنقل جزء من المواد عالية التخصيب إلى الخارج. وقد جرى ذكر تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين. فيما أكد دبلوماسيان إن شحن المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعبًا سياسيًا بالنسبة لإيران، بينما لا تُعد روسيا خيارًا مقبولًا لواشنطن.
لكن حتى هذه الخيارات ستتطلب مفاوضات مطوّلة من أجل العثور واستعادة مواد اليورانيوم عالي التخصيب التي دُفنت تحت الأرض جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة. إلى جانب مسألة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، برز الخلاف الأعمق حول الحق في تخصيب اليورانيوم من الأساس. فقد دعا ترامب علنا إلى تصفير التخصيب، فيما أصرت السلطات الإيرانية على حقها في التخصيب لأغراض مدنية، نافية مرارا سعيها لامتلاك قنبلة نووية. ومن بين التسويات المحتملة، إمكانية فرض وقف مؤقت للتخصيب يعقبه استئناف بمستويات متدنية جدًا بشروط صارمة. على أن تلعب الوكالة الدولية للطاقة الذرية دوراً محوريا في هذا المجال، بما يشمل تنفيذ عمليات تحقق صارمة ووصول غير مقيّد إلى المواقع في الداخل الإيراني.
تخفيف العقوبات وحفظ ماء الوجه
أما المسار الاقتصادي في المحادثات فركز على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمّدة. إذ طالبت إيران بالوصول إلى جزء من أموالها المجمّدة في الخارج على المدى القصير. على أن يأتي التخفيف الأوسع للعقوبات والذي يتطلب دعمًا أوروبيًا، إذ ترى القيادة الإيرانية أن التجارة مع أوروبا أساسية على المدى الطويل، لاحقًا. وفي السياق، قال مسؤولون إن واشنطن تفصل مجددًا بين الاتفاق المبدئي ومتابعته التفصيلية الشاقة، وهو نهج رأوا أنه ينطوي على خطر سوء قراءة الثقافة السياسية الإيرانية. وأردف دبلوماسي إقليمي رفيع مطّلع على موقف طهران أن "هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُحسم بمصافحة يد"، في إشارة إلى خلفية كبار مفاوضي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وأضاف "أنها تتعلق بالتسلسل، وتخفيف العقوبات، وخطوات نووية متبادلة".
إلى كل ذلك، لا تزال طهران تتمسك بمطلب أساسي ألا وهو ضمان عدم الاعتداء عليها مجددا. كما ترى أن ما تبقى من قدراتها الصاروخية يمثل رادعا حيويا بعد أن أضعفت الحرب قواتها، لا يمكن التخلي عنها. ورأى دبلوماسيون غربيون أن المطالبة بالتخلي الكامل عن هذه القدرات غير واقعية دون ضمانات أمنية أوسع.
"اتفاق عادل ومعقول"
بالتزامن، كشف ترامب أن إدارته طرحت اتفاقا عادلا ومعقولا للغاية، معرباً عن أمله بأن تقبله طهران. وقال في مقابلة اليوم مع شبكة "أي بي سي" "إذا لم يفعلوا ذلك فستدمر أميركا كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران".
كما أشار إلى أن إن طهران ارتكبت "انتهاكا خطيرا" لوقف إطلاق النار، لكنه أوضح في الوقت عينه أنه "لا يزال يعتقد أنه قادر على التوصل إلى اتفاق سلام". ثم كشف الرئيس الأميركي في منشور على منصته "تروث سوشيال" أن ممثلين سيذهبون إلى العاصمة الباكستانية إسلام اباد "مساء الغد" لإجراء مفاوضات تتعلق بإيران.