أمجد يوسف.. ماذا كشف جزار التضامن عن المجزرة؟

بثت وزارة الداخلية السورية، مقطع فيديو يتضمن اعترافات تفصيلية للمتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، أمجد يوسف. وجاء نشر هذه الاعترافات عقب إعلان الوزارة، إلقاء القبض عليه بعد عمليات رصد وتتبع استمرت عدة أيام، انتهت بتنفيذ عملية أمنية محكمة في منطقة سهل الغاب.
ويتهم يوسف بالمسؤولية عن إعدام عشرات المدنيين في حي التضامن جنوب دمشق، قبل إحراق جثثهم داخل حفرة جماعية، في واحدة من أبرز الجرائم التي كُشف عنها عام 2022 عبر تسجيلات مصورة صادمة. وخلال إفادته، أقر يوسف، الذي كان يحمل رتبة مساعد أول في شعبة المخابرات العسكرية (الفرع 227)، بمسؤوليته المباشرة عن تصفية نحو 40 شخصا ميدانيا، مؤكدا أن الشخص الذي ظهر في المقاطع المتداولة هو بالفعل.
وأوضح أنه في بدايات الثورة السورية، كان يتم اقتياد الضحايا إلى موقع المجزرة بناء على تقارير أمنية ووشايات تتهمهم بالارتباط بأنشطة معارضة أو دعم مجموعات مسلحة. وفي تفاصيل التنفيذ، وصف يوسف آلية القتل بأنها تمت باستخدام حفرة أُعدّت مسبقا بواسطة آليات ثقيلة لتكون مقبرة جماعية، مشيرا إلى أنه كان يتناوب إطلاق النار مع شخص يدعى نجيب الحلبي، وهو عنصر في ما يعرف بـ"ميليشيا الدفاع الوطني". وأضاف أن عمليات الإعدام كانت تُنفذ بإطلاق النار المباشر على الضحايا قبل إلقائهم في الحفرة، أو استكمال قتلهم داخلها، قبل أن يتم إحراق الجثث باستخدام إطارات مطاطية لضمان تفحمها بالكامل. وبرر يوسف لجوءه إلى إحراق الجثث برغبته في منع انبعاث الروائح وإخفاء هويات القتلى، لافتا إلى أن شريكه تولى لاحقا مهمة ردم الحفرة ودفن البقايا بعد يومين من انتهاء عمليات الإعدام. وفيما يتعلق بتوثيق الجريمة، أفاد بأن عملية التصوير جرت بواسطة أحد العناصر الموجودين في الموقع، مدعيا أنه لا يعرف هويته الحقيقية، وأن الهدف من التصوير كان "توثيق العمليات الأمنية" آنذاك.
وفي سياق تبريراته، زعم يوسف أنه لم يتلقَّ أوامر عسكرية مباشرة لتنفيذ هذه الإعدامات الجماعية، معتبرا أنها جاءت بقرار شخصي اتخذه في الميدان، ومشيرا إلى أن اختيار الضحايا استند إلى معلومات استخباراتية، على حد قوله.
تفاعل واسع
وأثارت اعترافات أمجد يوسف تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أعادت إلى الواجهة فصولا دامية من مجزرة التضامن، وسط موجة غضب واستنكار عارمة عبّر عنها السوريون. ووصف ناشطون ما ورد في التسجيلات بأنه "اعترافات مرعبة" تعيد التذكير بجريمة "هزّت الإنسانية"، متسائلين عن كيفية تحمّل سماع تفاصيل بهذا القدر من القسوة.
وأضاف آخرون أن قسوة التفاصيل الواردة في الاعترافات، وما رافقها من مشاهد موثقة، تعكس حجم الانتهاكات التي تعرّض لها الضحايا، وتطرح تساؤلات متجددة حول ضرورة تحقيق العدالة وكشف الحقيقة كاملة، بما يشمل جميع المتورطين في هذه الجريمة. في المقابل، شكك آخرون في مصداقية بعض ما جاء في الإفادة، معتبرين أن المتهم يحاول التستر على شركاء محتملين، لا سيما في نفيه تلقي أوامر مباشرة أو ادعائه عدم معرفة هوية مصوّر المقاطع، وهو ما وصفوه بـ"التناقض الصارخ" في الرواية.
وطالب مدونون بكشف كامل ملابسات الجريمة قبل تنفيذ أي حكم قضائي، داعين إلى تحديد جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بدءا من الجهات التي أصدرت الأوامر، مرورا بمن نفّذ وشارك، وصولا إلى من أعدّ التقارير الأمنية وساهم في اعتقال الضحايا، مع الكشف عن أماكن دفنهم ومصير رفاتهم. كما أشار مغردون إلى أن أسلوب حديث يوسف في التسجيل بدا "باردا وخاليا من الانفعال"، وكأنه يروي أحداثا عادية، وهو ما زاد من حالة الصدمة لدى المتابعين، فيما لفت آخرون إلى تغيّر نبرة صوته وثقل نطقه مقارنة بمقاطع سابقة.
وفي سياق متصل، تداول ناشطون معلومات تفيد بوجود مقاطع مصورة إضافية توثق حوادث مشابهة، متسائلين عن حجم الجرائم التي لم يُكشف عنها بعد، وعن مدى إمكانية تنفيذ مثل هذه العمليات دون وجود تسلسل أوامر واضح. وذهب بعض المعلقين إلى تعميم المسؤولية، معتبرين أن "الجريمة لا تتوقف عند المنفّذ المباشر"، بل تشمل كل من شارك أو سهّل أو تستّر، فيما طالب آخرون بمحاسبة كل من ساهم في إعداد التقارير الأمنية التي أفضت إلى اعتقال الضحايا، مؤكدين أن المسؤولية تمتد إلى ما هو أبعد من شخص واحد.
وتعود وقائع المجزرة إلى 16 أبريل/نيسان 2013، حين قُتل 41 مدنيا على يد قوات النظام المخلوع في حي التضامن بدمشق، حيث أُلقيت جثثهم في حفرة كبيرة، قبل أن يُعثر لاحقا على عظام بشرية في المنطقة. وفي 27 أبريل/نيسان 2022، نشرت صحيفة ذا غارديان (The Guardian) البريطانية مقطعا مصورا، قالت إن مجندا في ميليشيا موالية للنظام سرّبه، يُظهر قتل قوات "الفرع 227" التابع لمخابرات النظام العسكرية 41 شخصا على الأقل وإحراق جثثهم.