
أثارت الحملة الواسعة التي أطلقتها السلطات العراقية لملاحقة عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال المتهمين بقضايا فساد، موجة تفاعل واسعة في الشارع العراقي، وسط تساؤلات بشأن مدى استمرار هذه الحملة لتطال مسؤولين جدداً، ونجاحها في استعادة الأموال المنهوبة لسنوات طويلة.
ورغم أن الإعلان عن توقيف 67 شخصًا بينهم نواب ورجال أعمال بتهم تتعلق بالفساد والتجاوز على المال العام أعاد ملف مكافحة الفساد إلى واجهة المشهد السياسي، فإن كثيرًا من العراقيين يرون أن النجاح الأكبر للحملة سيكون بقدرتها على ملاحقة الشخصيات النافذة التي طالما وُجهت إليها اتهامات بالفساد دون أن تطالها المساءلة.
بالتزامن مع الحراك الراهن في الداخل العراقي، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي أنه سيطارد كل فاسد أو سارق للمال العام ليلاً نهاراً، مضيفاً "أن لا حصانة لأي فاسد". ولفت إلى أنه لا يريد فتح عداوات، لكنه لن يتراجع عن مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة. بدوره، قال المدير العام لدائرة الاسترداد في هيئة النزاهة، عباس متعب، إن "الهيئة تمكنت من حجز كميات كبيرة من الأموال في الخارج، الأمر الذي حال دون تمكن مرتكبي جرائم الفساد من التصرف بها"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء العراقية (واع).
ترحيب داخلي بـ"ضربات الفساد"
وقد لاقت الضربات التي وجهتها السلطات العراقية ضمن حملة "مكافحة الفساد"، ترحيباً داخلياً من شخصيات بارزة ونواب وسياسيين، إذ اعتبر زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر في تدوينة على منصة "إكس"، أن حملة الزيدي "إصلاحية بطولية نأمل استمرارها"، مضيفًا أنها "أعادت الأمل في قلوبنا وقلوب الشعب العراقي بعد أن هيمن الفاسدون على مقدراته". بدوره، أكد رئيس تحالف خدمات، شبل الزيدي، أن "حرب مكافحة الفساد لا تقل أهمية وخطورة عن مكافحة داعش والإرهاب، لأن الفساد يفت بعضد الدولة ويمنعها من النهوض". هذا وتفاعل العراقيون على نطاق واسع مع مشاهد المداهمات التي استهدفت منازل ومقار عدد من النواب الحاليين والسابقين المتهمين في قضايا فساد، بينهم النائبة عالية نصيف، إذ تداول مستخدمون صوراً ومقاطع مصورة قالوا إنها من داخل منزلها وتُظهر كميات كبيرة من الأموال.
كما انتشرت مقاطع لمداهمة مزرعة خيول مملوكة لابنها ساجد، وسط مزاعم بأن قيمة الخيول الموجودة فيها تتجاوز 7 ملايين دولار، وسط مطالبات بالقبض على "القطط السمان"، في إشارة لكبار الفاسدين بالبلاد.
"اختبار حقيقي"
من جانبه، قال مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية والمحلل السياسي العراقي، رائد العزاوي، إن الحملة التي تنفذها الحكومة العراقية ضد المتهمين بقضايا الفساد تمثل "أول حملة حقيقية بهذا الحجم منذ أكثر من عشرين عاماً"، مشيراً إلى أن العراق ظل طوال السنوات الماضية يتصدر المراتب المتأخرة على مؤشرات الفساد العالمية، بينما اقتصرت المحاولات السابقة على خطوات لم ترتق إلى مستوى الحملة الحالية. كما أضاف في تصريحات، أن ما تشهده البلاد اليوم يعكس "محاولة جادة وحقيقية" من رئيس الوزراء لتنفيذ التعهدات التي أعلنها ضمن برنامجه الحكومي، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد. ولفت إلى أنه يرى مؤشرات على جدية الحكومة في المضي بتنفيذ هذين الملفين. أما بشأن تفاعل الداخل مع هذه الحملة، فأوضح العزاوي أن "الحملة لاقت ترحيباً واسعاً في الشارع العراقي، الذي استقبلها بحالة من الفرح والارتياح، مطالباً باستمرارها وعدم الاكتفاء بالأسماء التي أُعلن عن توقيفها حتى الآن". وأشار إلى أن "قطاعات واسعة من العراقيين تعتقد أن الشخصيات التي طالتها الإجراءات تمثل الخطين الثاني والثالث، بينما لا تزال هناك شخصيات أكثر نفوذاً وتأثيراً يُنظر إليها على أنها تتحمل مسؤولية أكبر في قضايا هدر المال العام والفساد". وأكد أن "الحكومة مطالبة باستثمار حالة الدعم الشعبي والزخم الذي ولدته الحملة، عبر إحالة الرؤوس الكبرى إلى القضاء"، معتبراً أن استمرار الإجراءات بالوتيرة نفسها، ووصولها إلى شخصيات بارزة، سيشكل سابقة غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث.
لماذا الحملة في هذا التوقيت؟
وعن التساؤلات الراهنة بشأن توقيت هذه الحملة، أوضح مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية أنها "ليست مرتبطة بحسابات التوقيت بقدر ما هي تنفيذ لإجراءات قضائية"، موضحاً أن الاعتقالات جاءت استناداً إلى مذكرات قبض صادرة عن القضاء وواجبة التنفيذ. مع ذلك، أكد أن الحكومة تسعى أيضاً إلى توجيه رسالة واضحة، قبيل الزيارة المرتقبة إلى واشنطن منتصف الشهر المقبل، مفادها أنها بدأت تنفيذ الالتزامات التي أعلنتها في برنامجها الحكومي، سواء فيما يتعلق بمحاربة الفساد أو فرض سلطة الدولة وحصر السلاح. كما لفت إلى أن "مكافحة الفساد في العراق لم تعد قضية داخلية فحسب، بل أصبحت ملفاً يحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة أن وجود شبكات فساد دفع العديد من الشركات العربية والأوروبية إلى العزوف عن الاستثمار والمشاركة في مشاريع إعادة إعمار العراق، وهو ما يجعل استمرار الحملة ضرورة داخلية وخارجية في آن واحد".
ورداً على سؤال بشأن إمكانية تعطل الحملة بفعل الضغوط السياسية، قال العزاوي إنه "وفقاً للمعطيات المتوافرة لديه، فإن الحملة مستمرة ولن تتوقف". وتوقع أن تمتد خلال الفترة المقبلة إلى شخصيات أكثر نفوذاً، مؤكداً أن "رئيس الوزراء ماضٍ في هذا المسار ولن يتراجع عنه".
"انقلاب ناعم"
أما رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية في بغداد، إحسان الشمري، فوصف حملة مكافحة الفساد بأنها تمثل "انقلاباً ناعماً" على نهج الحكومات العراقية السابقة، كونها استهدفت للمرة الأولى شخصيات سياسية وقيادات نافذة ونواباً ورجال أعمال ومديرين عامين يشغلون مناصب عليا في الدولة، وهو ما لم يكن مألوفاً في حملات مكافحة الفساد السابقة. وأوضح الشمري في تصريحات ، أن هذه الإجراءات حظيت بتفاعل واسع في الشارع العراقي، الذي ينظر إليها باعتبارها خطوة أولى نحو تصحيح المسار الداخلي واستعادة هيبة الدولة، وهو ما انعكس في موجة التأييد الشعبي الكبيرة، إلى جانب المطالبة بتوسيع الحملة لتشمل جميع ملفات الفساد، وعدم الاكتفاء بقضايا أو شخصيات محددة، لافتاً إلى أن لدى هيئة النزاهة مئات الملفات التي تتعلق بشخصيات سياسية من الصف الأول، بل وبجهات وأطراف إقليمية يقول إنها أسهمت في نهب الأموال العراقية. كما أضاف أن "حجم التأييد الشعبي يعكس أيضاً رغبة في استعادة الثقة بالمؤسسات الحكومية والرقابية، واستمرار الحملة سيشكل اختباراً حقيقياً للحكومة وهيئة النزاهة، فإذا واصلت ملاحقة المتورطين دون استثناء، فقد تمثل بداية لاستعادة الثقة بدولة المؤسسات". ورجح استمرار الحملة خلال المرحلة المقبلة، استناداً إلى تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة، متوقعاً أن تمتد إلى المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب، وإلى تجفيف مصادر تمويل الفصائل المسلحة، بما يشمل مراكز نفوذ أخرى داخل الدولة. هذا واتفق الشمري فيما ذهب إليه العزاوي بأن رئيس الوزراء العراقي يسعى إلى تعزيز موقعه قبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، من خلال إظهار قدرته على تنفيذ خطوات عملية في مكافحة الفساد وتجفيف الموارد المالية للفصائل المسلحة وحلفاء إيران، وهي ملفات تحظى باهتمام الإدارة الأميركية، معتبراً أن بدء هذه الإجراءات قبل الزيارة يمنح رئيس الوزراء ورقة قوة إضافية في مباحثاته مع المسؤولين الأميركيين.
المرتبة 136 من أصل 182 دولة
وبحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتل العراق المرتبة 136 من أصل 182 دولة، في مؤشر يعكس استمرار التحديات التي تواجهها البلاد في ملف مكافحة الفساد.