sst news

ترامب وإعادة تشكيل أمريكا.. معركة الانتخابات والتاريخ وحدود القوة والنفوذ


تشهد الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب سلسلة من المواجهات السياسية والمؤسسية تمتد من قواعد التصويت والانتخابات، إلى طريقة كتابة التاريخ وتفسيره، وصولا إلى استخدام القوة العسكرية في الخارج. وتكشف هذه الملفات الثلاثة عن مشروع سياسي يسعى، بحسب منتقديه، إلى إعادة صياغة علاقة السلطة بالمؤسسات الأمريكية، بينما يرى مؤيدوه أنه محاولة لاستعادة السيطرة على ملفات يعتبرونها منحرفة عن مسارها التقليدي.
تتصدر قضية الانتخابات إحدى أبرز ساحات الصراع الداخلي في عهد ترامب -حسب صحيفة واشنطن بوست – إذ أعاد الرئيس طرح مزاعم حول وجود نقاط ضعف في النظام الانتخابي الأمريكي، متحدثا عن تدخلات خارجية ومخاطر مرتبطة بقوائم الناخبين.

معركة الانتخابات
وخلال خطاب متلفز، قدم ترامب ما اعتبره كشفا عن مشكلات في العملية الانتخابية، إلا أن منتقديه أشاروا إلى أن معظم الادعاءات التي طرحها سبق أن خضعت للمراجعة من قبل أجهزة استخبارات أمريكية ولم تثبت وجود تدخلات حاسمة غيرت نتائج الانتخابات. وكان من أبرز هذه الادعاءات اتهام الصين بالحصول على بيانات ملايين الناخبين والتدخل في انتخابات 2020، ولكن تقييمات استخباراتية سابقة خلصت إلى عدم وجود دليل على أن بكين نفذت عملية تهدف إلى تغيير نتيجة الانتخابات. وأشار تقرير الصحيفة إلى أن تركيز ترامب على الصين قد يعرّض العلاقات بين واشنطن وبكين لمزيد من التوتر، خصوصا في ظل محاولات الإدارة الأمريكية الأخيرة تهدئة الخلافات التجارية وإظهار علاقة أكثر استقرارا مع القيادة الصينية، خاصة أن السفارة الصينية نفت أي تدخل في الانتخابات الأمريكية، مؤكدة أن بكين لا تتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وتطرقت واشنطن بوست كذلك إلى انتقادات ترامب لوسائل الإعلام التي رفضت بث خطابه مباشرة، مهددا بسحب تراخيص البث من شبكتي "إيه بي سي" و"إن بي سي"، ومتهما إياهما بالانحياز السياسي.

ويرى التقرير أن هذه التصريحات تأتي ضمن نهج متكرر من ترامب في مهاجمة المؤسسات الإعلامية التي تنتقده أو ترفض منح منصته السياسية مساحة واسعة.

كما أثار ترامب -حسب صحيفة غارديان البريطانية- قضية تسجيل غير المواطنين للتصويت، مستندا إلى أرقام كبيرة، لكن مراجعات انتخابية في عدد من الولايات أظهرت أن هذه الحالات نادرة جدا ولم يثبت أنها أثرت في نتائج الانتخابات. وخلص مقال الصحيفة إلى أن خطاب ترامب يمثل -حسب منتقديه- محاولة لتقويض الثقة العامة في العملية الانتخابية من خلال تكرار ادعاءات غير مثبتة، وأن تأثير هذه الإستراتيجية قد يتمثل في زيادة الشكوك والانقسامات السياسية قبل استحقاق انتخابي حاسم.

قانون "إنقاذ أمريكا"
وفي هذا السياق، ناقشت صحيفة وول ستريت جورنال "قانون إنقاذ أمريكا" ورأت أنه أحد أهم أدوات الجمهوريين في هذا الصراع، وهو يقترح فرض تقديم إثبات وثائقي للجنسية عند التسجيل للتصويت في الانتخابات الفيدرالية، إضافة إلى تقديم هوية انتخابية معتمدة عند الاقتراع. كما ينص على إنشاء برامج لمراجعة قوائم الناخبين وإزالة غير المواطنين منها، وفرض مسؤوليات قانونية جديدة على مسؤولي الانتخابات. ويرى الجمهوريون أن القانون يحمي نزاهة الانتخابات ويمنع المخالفات، ولكن الديمقراطيين يحذرون من أنه قد يضع عوائق أمام ملايين الناخبين المؤهلين، خصوصا أولئك الذين لا يمتلكون وثائق إثبات الجنسية بسهولة. ويواجه المشروع عقبات داخل الكونغرس بسبب الانقسامات الحزبية والخلافات، وحتى داخل الحزب الجمهوري، خاصة حول رغبة ترامب في إضافة قيود واسعة على التصويت عبر البريد.

إعادة تعريف الرواية الأمريكية
لا يقتصر الجدل المتعلق بمشروع ترامب على الانتخابات، بل يمتد إلى المجال الثقافي والتاريخي، فقد انتقد المؤرخ الأمريكي ديفيد بلايت -في مقال بصحيفة نيويورك تايمز – تقريرا أصدره مجلس السياسة الداخلية في البيت الأبيض حول مؤسسة سميثسونيان، معتبرا أنه يمثل محاولة سياسية لإعادة تشكيل الرواية التاريخية الأمريكية بما يتوافق مع رؤية الإدارة. ويرى بلايت أن الهجوم على المتحف الوطني للتاريخ الأمريكي لا يستهدف مؤسسة ثقافية فقط، بل يمس مهنة التاريخ نفسها وطريقة فهم الأمريكيين لماضيهم. ويشير المقال إلى أن التقرير اتهم المتحف بالتخلي عن "الحقائق الأساسية" لصالح النشاط السياسي والانقسامات الأيديولوجية، لكنه يؤكد أن عمل المؤرخين لا يقوم على قبول رواية واحدة ثابتة، بل على دراسة الأدلة والسياقات والتناقضات التي شكلت التجربة الإنسانية. وربط بلايت بين رؤية إدارة ترامب للتاريخ وبين الحنين إلى صورة مثالية عن عقد الخمسينات من القرن العشرين، حين كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها كقوة منتصرة خلال الحرب الباردة، موضحا أن تلك المرحلة شهدت أيضا أزمات كبرى، من سباق التسلح النووي إلى المكارثية والصراعات حول الحقوق المدنية.

ويعتبر المؤرخ أن ما يسميه "التاريخ الانتصاري" لا يحتمل التعقيد أو النقد، لأنه يسعى إلى تقديم ماضٍ أمريكي خالٍ من الصراعات، كما يرى أن استخدام مفاهيم مثل "الشيوعية" واستحضار أعداء أيديولوجيين يمكن أن يصبح أداة سياسية لبناء خطاب قائم على الخوف والانقسام. ويؤكد بلايت أن مؤسسة سميثسونيان لا تقدم رواية قائمة على الندم أو العار، بل تعرض التعددية والتحولات الاجتماعية والتجارب المختلفة التي صنعت الولايات المتحدة، محذرا من أن إخضاع تفسير التاريخ للسلطة السياسية قد يؤدي إلى إضعاف الثقافة الديمقراطية نفسها.

حدود التفوق الأمريكي
أما في السياسة الخارجية -حسب تقرير منفصل لصحيفة نيويورك تايمز- فتكشف المواجهة مع إيران عن تحدٍ آخر يواجه إدارة ترامب، يتعلق بحدود القوة العسكرية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد. فقد اعتمدت الحملة العسكرية على ضربات واسعة استهدفت القيادة الإيرانية والمنشآت العسكرية وألحقت أضرارا كبيرة بقدرات طهران، لكنها لم تقضِ على قدرتها على الرد أو التأثير في المنطقة. ويرى خبراء عسكريون أن التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان أظهرت أن الانتصار في ساحة المعركة لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار سياسي دائم، إذ تمكنت الولايات المتحدة من إسقاط أنظمة وجيوش، لكنها واجهت صعوبة في تحويل تلك النجاحات إلى حلول سياسية مستدامة. ويشير هذا الجدل إلى معضلة أوسع في السياسة الأمريكية، وهي أن امتلاك قوة عسكرية هائلة لا يضمن بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية نهائية.

صراع على تعريف أمريكا
وتكشف هذه الملفات الثلاثة: الانتخابات والتاريخ والسياسة الخارجية عن صراع أعمق حول هوية الولايات المتحدة وطريقة إدارة مؤسساتها. ففي الداخل، يدور النقاش حول حدود سلطة الحكومة الفيدرالية في الانتخابات، واستقلال المؤسسات الثقافية، وطريقة تفسير الماضي، أما في الخارج فيتمحور الجدل حول قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية تتجاوز الانتصارات الميدانية. ويرى منتقدو ترامب أن سياساته تهدف إلى إعادة تشكيل المؤسسات بما يخدم رؤيته السياسية، بينما يعتبر مؤيدوه أنها محاولة لاستعادة السيطرة على ملفات يرون أنها خضعت لتأثيرات أيديولوجية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبدو أن المعركة في الولايات المتحدة لم تعد تدور فقط حول من يفوز في الانتخابات، بل حول الأسئلة الأساسية التي تحدد طبيعة النظام الأمريكي: من يضع قواعد المشاركة السياسية؟ ومن يحدد رواية التاريخ؟ وكيف تستخدم الدولة قوتها داخليا وخارجيا؟

sstnews,