
دعت منظمة العفو الدولية السلطات السورية إلى ضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، من خلال محاكمات عادلة، بعيدًا عن عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية. وجاء موقف المنظمة عقب إصدار القضاء السوري حكماً غيابياً بالإعدام بحق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، بعد إدانتهم بجرائم ارتُكبت عقب اندلاع الثورة السورية. وأكدت منظمة العفو الدولية أن ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الفظيعة تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر لعشرات الآلاف من الضحايا، لكنها شددت على أن طي صفحة الماضي يتطلب إلغاء المحاكمات الغيابية وعقوبة الإعدام، وتجريم الجرائم الأساسية المشمولة بالقانون الدولي في التشريعات الوطنية.
مطالب بإصلاح قضائي شامل
وطالبت المنظمة بإجراء إصلاح قضائي شامل يضمن خضوع جميع الإجراءات القضائية لضمانات المحاكمة العادلة، والامتثال الكامل للقانون والمعايير الدولية. كما دعت إلى إجراء المحاكمات أمام محاكم مدنية عادية، وبمشاركة الضحايا، ومن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وذلك ضمن استراتيجية وطنية شاملة تتمحور حول الضحايا، وتكفل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر في جميع أنحاء سوريا.
حكم الإعدام لبشار الأسد وعدد من رموز النظام المخلوع
وكانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق قد أصدرت، في وقت سابق، أحكامًا بالإعدام بحق بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وعاطف نجيب، إلى جانب عدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين، بعد استكمال جلسات الدعوى المتعلقة بجرائم قتل وتعذيب واعتقال تعسفي، وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت بحق سوريين. وشملت الأحكام الغيابية كلًا من بشار حافظ الأسد، وماهر حافظ الأسد، وفهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن عيوش، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم مهيوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العيسمي.
وقضت المحكمة بتجريم المتهمين بجنايات القتل العمد والقصد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحكم عليهم بالإعدام. كذلك، نسبت المحكمة إلى بشار الأسد جرائم القتل العمد بحق أكثر من شخص، بينهم أطفال، إلى جانب التعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، معتبرة أن مسؤوليته عن تلك الجرائم جاءت بصفته صاحب القرار الأعلى، وفقًا لما تلاه رئيس المحكمة خلال جلسة النطق بالحكم. وصدر الحكم خلال الجلسة التاسعة من المحاكمة، التي بدأت في 26 نيسان الماضي، بعدما استمعت المحكمة، في جلستها الثامنة المنعقدة في 4 آب الجاري، إلى مرافعات النيابة العامة والادعاء والدفاع، إضافة إلى الأقوال الأخيرة للمتهمين.
العدل ترد
أكدت وزارة العدل السورية أن الأحكام القضائية الصادرة أخيراً، بما فيها الأحكام المتعلقة بعقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، جاءت وفق أحكام القانون السوري والضمانات الدستورية والقانونية، مشددة على أن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم يجريان ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها، وبما يحفظ حقوق الضحايا والمتهمين. وجاء موقف الوزارة في بيان صدر في وقت مبكر من يوم الأربعاء، رداً على تصريحات صادرة عن منظمة العفو الدولية بشأن الأحكام القضائية الصادرة، وما تضمنته من ملاحظات حول عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية والإصلاح القضائي. وقالت الوزارة إنها تحترم اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية بملفات العدالة وحقوق الإنسان، لكنها أكدت أن التصريح الصادر عن منظمة العفو الدولية "لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُّبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين".
وأوضحت أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وعلى أيدي قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم، وفق الأصول القانونية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والقانونية والقواعد والمبادئ ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وأضافت الوزارة أن الأحكام استندت إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع كفالة حقوق الدفاع وسبل الطعن والاعتراض وفق الأصول النافذة.
العدالة ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها
وأشارت وزارة العدل إلى أن طبيعة المرحلة التي مرت بها سوريا، وما شهدته خلال سنوات طويلة من جرائم وانتهاكات، تفرض على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عنها. وأكدت أن ذلك "لا يعني بأي حال تجاوز الضمانات الدستورية والقانونية أو الانتقاص من حقوق أي من أطراف الدعوى". وشددت على أن تحقيق العدالة في هذه القضايا يجري ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها، بما يحفظ حق الضحايا في الإنصاف، ويصون في الوقت نفسه حق المتهمين في المحاكمة وفق القانون. وأكدت الوزارة أن سيادة القانون السوري واستقلال القضاء يشكلان الأساس في إدارة العدالة في سوريا الجديدة، موضحة أن مشروع الإصلاح القضائي الذي تعمل عليه هو "إصلاح وطني شامل يهدف إلى تعزيز استقلال القضاء، وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة، وتطوير التشريعات والمؤسسات القضائية". وأشارت إلى أن هذا الإصلاح يهدف إلى تعزيز ثقة المواطنين بالقضاء وضمان عدم الإفلات من العقاب، بعيداً عن الانتقام أو التسييس.
عقوبة الإعدام وضوابط تنفيذها
وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، أوضحت وزارة العدل أنها عقوبة مقررة في القانون السوري، ولا تُفرض إلا بموجب حكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع. وقالت الوزارة إن إجراءات تنفيذ عقوبة الإعدام "تخضع للضمانات والضوابط القانونية المقررة، ولا تُنفذ إلا بعد استكمال المراحل والإجراءات التي يحددها القانون والجهات المختصة". وبشأن المحاكمات الغيابية، أكدت الوزارة أن القانون أجاز هذا النوع من المحاكمات متى توافرت شروطه، لكنها أوضحت أن إجراء المحاكمة غيابياً "لا يعني بذاته انتفاء ضمانات العدالة أو مشروعية الإجراءات". وأشارت الوزارة إلى أن صدور الأحكام لقي ترحيباً واسعاً في أوساط السوريين، باعتبارها خطوة في مسار المساءلة وإنصاف الضحايا. واعتبرت أن الأحكام تؤكد مضي القضاء السوري في تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، بما ينسجم مع الإطار القانوني الناظم لعمله، وبعيداً عن منطق الانتقام والثأر.
وجددت وزارة العدل تأكيد انفتاحها على الحوار مع المنظمات الحقوقية الدولية، واستعدادها للاستماع إلى الملاحظات التي يمكن أن تسهم في تطوير منظومة العدالة. وفي الوقت نفسه، شددت على أن "تقييم الإجراءات القضائية والفصل في الدعاوى وتحديد المسؤوليات والعقوبات يبقى من اختصاص القضاء السوري، الذي يمارس ولايته وفق الدستور والقانون". وأكدت الوزارة أن ذلك يكفل حقوق جميع أطراف الدعوى ويصون حق الضحايا في العدالة.