sst news

تقدم في تفاهمات السويداء.. إعادة تفعيل المؤسسات والبلديات وربط الشرطة بالداخلية


طرأ تقدم في مسار التفاهمات بين الحكومة السورية ومجموعات محلية في محافظة السويداء، بهدف معالجة ملف المحافظة، والتوصل إلى اتفاق يعيد المؤسسات الحكومية إلى العمل تحت إشراف الوزارات التابعة لها، وعودة المجالس البلدية للعمل بإشراف المحافظة، باستثناء أربع بلديات ما تزال قيد التفاوض، بالتوازي مع توجه لتشكيل مجلس جديد للمحافظة. ووفق مشاركين في الاجتماعات، ستتضمن خطة التنمية لعام 2027 مشاريع في السويداء والبادية الشرقية، إلى جانب استئناف المشاريع المدعومة دولياً بالتنسيق مع المجالس البلدية، كما جرى الاتفاق في الملف الأمني على إعادة تفعيل جهاز الشرطة وربطه مباشرة بوزارة الداخلية، على أن يتم اختيار عناصره من بين المتقدمين بطلبات انتساب قبل أحداث السويداء. وأشار المشاركون إلى أن تنفيذ هذه التفاهمات يسير ببطء في ظل عوائق قالوا إن فلول النظام المخلوع في المحافظة تقف خلفها.
وقال مؤسس تيار "سوريون" نجيب أبو فخر، الذي شارك في النقاشات الجارية بين الحكومة ووفد من أهالي السويداء، إن ما يجري لا يمكن وصفه بأنه "مفاوضات بالمعنى العام"، وإنما جاء نتيجة الضغوط المتراكمة خلال الفترة الأخيرة على ملف السويداء، ولا سيما الضغط الداخلي الناجم عن حالة الاستياء الشعبي، وبعد مرور أكثر من عام على الوعود المتعلقة ببناء نظام إداري متميز في المحافظة. وأضاف أبو فخر، أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دفعت باتجاه التعاون، على الأقل في الجانب الإداري، وبما يتيح تجنيب المدنيين تبعات الخلافات والمناكفات السياسية. وأشار إلى أنهم سمعوا من المندوب الدائم للأمم المتحدة في سوريا أنه نقل إلى السويداء رسالة مفادها أن الأمم المتحدة ودول العالم متفقة على دعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها واستقلالها وسيادتها، وأن على السويداء البحث عن حلولها ضمن هذا الإطار. وأوضح أن هذا التوجه جعل البحث عن مخارج تجنب المدنيين تداعيات الصراع السياسي أكثر سهولة، في ظل معاناة استمرت لأكثر من عام، ولا سيما بالنسبة إلى سكان 32 قرية يواجه أهلها ظروفاً معيشية صعبة، معتبراً أن إعادة تفعيل البلديات تشكل المخرج العملي، باعتبارها الجهات القادرة على تنسيق الدعم وإيصاله والعمل على إعادة إعمار ما دمر.
وبحسب أبو فخر، فإن ملف البلديات "شبه منتهٍ"، ولم يتبقَّ سوى أربع بلديات لم يكتمل التنسيق بشأنها، مشيراً إلى أن البلديات باتت مرتبطة بالدولة بصورة كاملة فيما يتعلق بالخطط والميزانيات، وأن بعضها أصبح جاهزاً لتقديم ميزانياته إلى المحافظ، الذي يتولى متابعة هذه المهمة. وأضاف أن مؤسسات الدولة في المحافظة أصبحت مرتبطة بالجهاز الحكومي بصورة شبه كاملة، باستثناء بعض الإشكالات المتعلقة بقطاع التربية ومؤسسة الكهرباء، لافتاً إلى تحديد الميزانيات وبدء المؤسسات بتقديم احتياجاتها ضمن خطة عام 2027. وأكد أن العلاقة بين البلديات والدولة أصبحت مباشرة، وأن إدارات السويداء تعمل ضمن الإطار الحكومي السوري، وفق التسلسل الإداري المعتمد، من دون تدخل جهات أخرى في عملها أو ميزانياتها. وفي ما يتعلق بقدرة المجموعات المحلية على تطبيق هذه التفاهمات في ظل وجود فصائل مسلحة، قال أبو فخر إن "أهالي السويداء لهم الكلمة الفصل"، وإن أكثر من عام من الوعود المتكررة دفع السكان إلى إدراك عدم وجود أساس قانوني أو واقعي لعدد من الطروحات التي قدمت لهم خلال الفترة الماضية، فضلاً عن غياب أي دعم دولي لها. وأضاف أن أي جهة تقف في وجه ما يراه الأهالي انفراجاً لأوضاعهم ستكون الطرف الأضعف. وأشار إلى أن جزءاً من الفصائل يوافق، بصورة علنية أو ضمنية، على الخطوات المتعلقة بتسيير حياة السكان، معتبراً أن من الصعب الاعتراض على إجراءات تهدف إلى إدارة شؤون الناس اليومية. كما تحدث عن حالة استياء في أوساط الأهالي نتيجة ما وصفه بالاتجار بالطحين والبنزين والوقود والكهرباء والأدوية التي وصلت إلى المحافظة مجاناً، في وقت كانت فيه شريحة واسعة من السكان تعاني ظروفاً معيشية قاسية. وأضاف أبو فخر أن السكان لم يعودوا مستعدين لقبول مزيد من الوعود، مشيراً إلى أن مسؤولاً أممياً أبلغ جهات في السويداء بأن "بيع الوهم" لم يعد مجدياً.

التفاهمات تشمل جميع مناطق السويداء
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط إن استمرار أزمة السويداء بدأ يضغط على مختلف الأطراف لإيجاد مخرج، متسائلاً في البداية عما إذا كانت التفاهمات المتعلقة بالبلديات تشمل جميع مناطق المحافظة أم تقتصر على القرى المتضررة في الجهات الشرقية والغربية والشمالية. ورد أبو فخر بأن التفاهمات تشمل جميع المناطق في السويداء من دون استثناء. وأشار قرقوط إلى اجتماع عقد يوم الخميس لرؤساء البلديات في المحافظة، واعتبره خطوة إلى الأمام، موضحاً أن البلديات تتعامل مباشرة مع شؤون السكان وهمومهم اليومية، وأن عودة كل قرية ومدينة إلى إدارة قضاياها عبر بلديتها تعني أن الناس لم يعودوا مضطرين إلى إحالة أزماتهم إلى جهات أخرى يمكن أن تستثمرها سياسياً أو اقتصادياً. ورأى قرقوط أن الظروف تغيرت بعد أكثر من عام من الوعود والدماء، وأن السكان يتجهون حالياً إلى الإمساك بملفاتهم بأنفسهم، بالتزامن مع وصول رسائل دولية تؤكد عدم وجود خيار انفصالي في سوريا. وأضاف أن من يملك مطالب أو اعتراضات على الدولة يمكنه طرحها والعمل عليها ضمن مؤسسات الدولة، معتبراً أن التوجه إلى خيارات أخرى يعكس مشاريع شخصية لبعض الأطراف. وقال إن تعميم الخدمات في السويداء عبر البلديات يمكن أن يشكل انتقالاً من "إدارة الأزمة" إلى "حل الأزمة"، مشيراً إلى أن الحكومة في دمشق كانت موضع انتقاد خلال المرحلة الماضية بسبب الاكتفاء، في بعض الأحيان، بإدارة الأزمة من خلال الشعارات والمواقف، بدلاً من الوصول إلى حلول عملية.

معالجة الملفات الخدمية والإدارية والإنسانية
وتطرق قرقوط إلى مواقف بعض الجهات المتصدرة للمشهد العام في السويداء، وقال إن بعضها كان، قبل سقوط نظام الأسد، يقف ضد معارضيه ويتهمهم بالخيانة والعمالة، في حين باتت الجهات نفسها اليوم تصنف الآخرين بين "وطني" و"غير وطني"، معتبراً أن ذلك أخرج المجتمع من معادلة إعادة هيكلة نفسه والتعامل مع واقعه الجديد.

وأضاف أن سوريا بأكملها انتقلت من مرحلة الحرب إلى محاولة البحث عن حاضرها ومستقبلها، في حين أبقت بعض الأطراف السويداء خارج هذا المسار لحماية نفسها من محاكمات محتملة، سواء كانت قضائية أو شعبية، بحسب تعبيره. وشدد على أهمية تثبيت الخدمات، إلى جانب معالجة ملف التعليم، محذراً من أن استمرار تعطله يهدد جيلاً كاملاً. وفي حديثه عن الملفات التي لم تحل بعد، قال أبو فخر إن القضية لا تقتصر على ملف التربية والتعليم، بل تشمل أيضاً ملف المغيبين ومجهولي المصير الذين ما تزال عائلاتهم تطالب بالكشف عن مصيرهم، إضافة إلى ملف الأسرى على خلفية الأحداث التي شهدتها المحافظة، وعودة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم. وشدد على أن التقدم في الملفات الخدمية والإدارية لا يعني التنازل عن حقوق الضحايا أو عرقلة عودة السكان إلى قراهم، مؤكداً أن الحقوق ستبقى محفوظة وأن الأهالي سيواصلون المطالبة بمحاسبة كل من ارتكب جرائم أو تسبب في الأحداث التي شهدتها السويداء، أياً كان الطرف الذي ينتمي إليه. وأوضح أبو فخر أن إعادة تفعيل البلديات يتبعها العمل على تشكيل مجلس محافظة جديد، وهي خطوة قال إن الجهود مستمرة لاستكمالها، على أن يتبع ذلك تشكيل مكتب تنفيذي رسمي، بما يضمن توجيه الدعم عبر القنوات الرسمية. كما أشار إلى العمل على ربط المنظمات الدولية بهذه البلديات وإخضاع آليات العمل للرقابة والمكاشفة ومعايير الشفافية والحوكمة المعتمدة لدى الأمم المتحدة، بما يمنع أي جهة من التحكم بالبلديات أو توجيه عملها بصورة منفردة. وأضاف أن تولي البلدية مسؤولية تأهيل القرية المهجرة وتجهيزها لعودة أهلها يمثل، من وجهة نظره، خطوة في الاتجاه الصحيح نحو الحل.

دمج قوى الأمن والجيش
وفي الملف الأمني، تناول أبو فخر مسألة دمج الأمن وفصائل السويداء ضمن مؤسسات الدولة، موضحاً أن ملف "الحرس الوطني" ما يزال مؤجلاً ويتقدم ببطء شديد، في حين أن ملف إعادة تفعيل جهاز الشرطة بات أكثر نضجاً. وبموجب الطرح الجاري، سيتبع جهاز الشرطة مباشرة لوزارة الداخلية، وسيتم اختيار عناصره من بين نحو أربعة آلاف طلب انتساب قُدمت قبل أحداث السويداء. وأشار إلى طرح سابق قدمه محافظ السويداء مصطفى بكور لأهالي القرى المهجرة، يقوم على اختيار عناصر الحماية من أبناء المناطق نفسها بهدف تبديد المخاوف الأمنية. وأوضح أن المقصود ليس اختيار أشخاص عاديين، وإنما أفراد سبق أن عملوا في الشرطة أو تقدموا بطلبات وانتسبوا وسووا أوضاعهم قبل الأحداث، وهم مسجلون في القيود الرسمية ولا توجد بحقهم إشكالات مرتبطة بالتحريض أو العنف. وأضاف أن الطرح يشمل مختلف أهالي السويداء، بمعدل يقارب 20 عنصراً لكل خمسة آلاف نسمة، على أن يتبع هؤلاء العناصر لوزارة الداخلية ويتقاضوا رواتبهم منها، ويمثلوا مؤسسات الدولة والسيادة السورية على الأرض، ويتولوا مهام الحماية والأمن. أما بشأن ملف التعليم، فقال أبو فخر إن أبرز تعقيداته يتمثل في خشية الدولة من إرسال موظفين يمثلون مؤسساتها وسيادتها إلى مناطق قد يتعرضون فيها لاعتداءات، مشيراً إلى أن أهالي السويداء اقترحوا تشكيل حماية أهلية لهؤلاء الموظفين، إلا أن مخاوف ما تزال قائمة من إقدام أحد الأطراف على ارتكاب اعتداء يعيد الأوضاع إلى "المربع الأول" ويؤدي إلى تجدد الهجمات على السويداء، ولذلك ما يزال هذا الملف حساساً ومؤجلاً في الوقت الراهن.

sstnews,