sst news

تحقيق بريطاني يعيد فتح ملف مقتل لونا الشبل.. حادث أم اغتيال؟


أعاد تحقيق موسع نشرته صحيفة "The Observer" البريطانية فتح ملف لونا الشبل، المستشارة السابقة لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد، بعد نحو عامين على إعلان مقتلها إثر حادث سير قرب دمشق في 5 من تموز 2024، مقدماً شهادات وقرائن طبية يقول إنها تعزز الشكوك في أن ما جرى ربما لم يكن حادثاً عرضياً. بثت آنذاك وسائل الإعلام التابعة لنظام الأسد إعلاناً عن مقتل واحدة من أقرب مستشاري الأسد في حادث سير. لكن الصحيفة تقول إن عدداً من الأشخاص الذين عرفوا الشبل، وشهدوا صعودها السريع إلى الدائرة الضيقة المحيطة برأس هرم نظام الأسد، لم يقتنعوا منذ البداية بالرواية الرسمية. ونقلت "The Observer" عن مصدر قالت إنه قريب من الدائرة الداخلية للنظام قوله إن المحيطين بالسلطة كانوا، خلال الأشهر التي سبقت مقتلها، ينتظرون خبراً عن اغتيالها، مضيفاً: "كانت تحفر قبرها بيدها". وبعد أيام من مقتلها، بدأت تتداول روايات متنافسة بشأن ما جرى، إحداها تحدثت عن احتمال استهدافها من إيران للاشتباه في تجسسها لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وأخرى ربطت مصيرها بعلاقة شخصية مزعومة مع بشار الأسد، في حين ذهبت رواية ثالثة إلى الحديث عن صراع داخل القصر وتوتر بينها وبين أسماء الأسد. ولا يقدم تحقيق الصحيفة دليلاً يحسم أياً من هذه الروايات، لكنه يقول إن مراجعة أدلة طبية وإجراء مقابلات مع أشخاص كانوا في موقع الحادث ومستشفى الشامي، حيث تلقت الشبل العلاج، أضافا عناصر جديدة إلى الشكوك المحيطة برواية الحادث العرضي.

من الجزيرة إلى الدائرة الضيقة للأسد
بدأ اسم لونا الشبل يبرز إعلامياً خلال عملها مذيعة في قناة "الجزيرة"، حيث قدمت برنامج "للنساء فقط"، الذي تناول قضايا سياسية واجتماعية مرتبطة بحياة النساء في العالم العربي. وفي عام 2010، وفي ذروة شهرتها الإعلامية، أعلنت استقالتها من القناة القطرية. ويقول التحقيق إن السبب المعلن آنذاك ارتبط بملاحظات إدارية بشأن ملابسها ومظهرها، إلا أن الصحيفة تنقل أن السبب الفعلي كان تلقيها عرضاً آخر. وبحسب التحقيق، كانت الشبل خلال السنوات السابقة قد عقدت لقاءات سرية مع بشار الأسد، ونشأت بينهما علاقة قرب قبل أن تظهر في دمشق عام 2011 وتبدأ العمل في مكتب الأمن الوطني، الذي كان يؤدي دوراً مركزياً في تنسيق عمل أجهزة الاستخبارات التابعة للنظام. ونقلت الصحيفة عن امرأة أطلقت عليها اسم "أميرة"، بعد تغيير اسمها لحماية هويتها، قولها إنها عملت مع الشبل لسنوات في مكتب أسماء الأسد، وإن رئيس مكتب الأمن الوطني السابق علي مملوك هو من قدم الشبل إلى بشار الأسد، بعدما رأى فيها شخصية إعلامية قادرة على تقديم خطاب قومي قوي يخدم النظام. ووصفت "أميرة" الشبل بأنها كانت "فنانة في الإعلام". ومع اندلاع الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية في سوريا عام 2011، احتاج النظام المخلوع إلى بناء خطاب إعلامي سريع لمواجهة الحركة الاحتجاجية المتصاعدة. ويقول التحقيق إن الشبل لعبت، من موقعها الجديد، دوراً في تبرير سياسات النظام القائمة على الاعتقال والتعذيب والقتل، وأسهمت في تقديم معارضي النظام بوصفهم "إرهابيين"، وتصوير ما كان يجري على أنه حرب على سوريا، بدلاً من كونه انتفاضة شعبية ضد الحكم. وفي شباط 2012، أي بعد أشهر من انتقالها إلى دمشق، عُينت الشبل رئيسة للمكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية. وبعد أربع سنوات عززت موقعها داخل منظومة النظام بزواجها من عمار ساعاتي، أحد الموالين له.

مزاعم عن علاقة بالأسد
وصراع مع أسماء لكن بالتزامن مع إعلان زواج الشبل، كانت شائعات قد بدأت تنتشر بشأن طبيعة علاقتها ببشار الأسد، وما إذا كانت تتجاوز حدود العمل. ونقل التحقيق عن الصحفي السوري إبراهيم حميدي قوله إن الشبل والأسد كانت تربطهما علاقة جنسية، واصفاً إياها بأنها كانت "صديقته".

كما نقل التحقيق عن حميدي قوله إن الأسد عُرف بعلاقاته مع نساء، وإنها شملت، وفق روايته، زوجات أشخاص من المقربين إلى نظامه. وادعى حميدي أيضاً أن الشبل كانت على علم بهذه العلاقات، وأنها تولت في بعض الأحيان إحضار نساء للأسد. وقالت "أميرة" بدورها إنها سمعت روايات تفيد بأن الشبل طُلب منها تأمين نساء للأسد من خلفيات اجتماعية بسيطة، بينهم عاملات تنظيف. وتبقى هذه الروايات ادعاءات منسوبة إلى مصادر التحقيق، ولم تقدم الصحيفة أدلة مستقلة تثبتها. وبحسب التحقيق، ازداد التوتر بين الشبل وأسماء الأسد كلما اقتربت الأولى أكثر من رأس النظام. ونقلت الصحيفة عن عبدو الدباغ، ابن عم أسماء الأسد، قوله إن وجود الشبل كان يمثل مشكلة جدية بالنسبة إلى أسماء، مضيفاً بما معناه أن الموقف كان أشبه بوجود الزوجة مع زوجها وعشيقته المزعومة في المكان نفسه من دون أن تستطيع فعل شيء. وتناول التحقيق العلاقة بين الشبل وأسماء الأسد أيضاً ضمن سلسلة بودكاست تحمل عنوان "We Call Her Emma"، وتبحث في حياة أسماء الأسد ودورها المزعوم في منظومة النظام وجرائمه. في المقابل، رفض فواز الأخرس، والد أسماء الأسد، هذه الروايات، وقال للصحيفة إن الادعاءات المتعلقة بخيانة بشار الأسد لابنته تستند إلى مقالات "زائفة ولا أساس لها"، مؤكداً أن أسماء لم تكتشف في أي وقت علاقات خيانة جدية لزوجها.

تراجع نفوذ لونا الشبل
بحلول مطلع عام 2023، بدأت مكانة الشبل داخل النظام المخلوع تتراجع على الرغم من سنوات عملها في الدائرة القريبة من الأسد. وأُبعدت لاحقاً عن اللجنة المركزية لحزب البعث، كما تقلصت مسؤولياتها وصلاحياتها.

ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع من داخل النظام قوله إن من يفقد موقعه في تلك المنظومة كان عليه عادة أن ينسحب بهدوء ويقبل بتراجع سلطته وأداء دور أصغر، معتبراً أن طموح الشبل جعل تقبل هذا التحول صعباً عليها. وقالت "أميرة" إن الشبل لم تتقبل خسارة نفوذها، وبدأت، وفق روايتها، تهدد بأنها تعرف الكثير وأنها قد تتحدث. ونسبت إليها قولها إنها "السيدة الأولى الحقيقية"، وإنها بدأت تتحدث بصورة متزايدة عن علاقات بشار الأسد المزعومة مع نساء أخريات. ولا يقدم التحقيق دليلاً مستقلاً يثبت أن الشبل أطلقت هذه التهديدات، وإنما ينسبها إلى شهادة المصدر الذي تحدث إلى الصحيفة.

اتهامات بالتجسس وتحذير منسوب إلى قاسم سليماني
لم تكن التوترات داخل القصر وحدها التي أحاطت بالشبل في المرحلة الأخيرة من حياتها، إذ يشير التحقيق إلى وجود شكوك بشأن نشاطها ودورها داخل الدائرة الحساسة المحيطة بالأسد. وتوقف التحقيق عند مذكرة مسربة منسوبة إلى القائد السابق لـ"فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني، حذر فيها رئيساً لجهاز استخبارات سوري من الشبل واتهمها بالتجسس. وقال إبراهيم حميدي إن صدور اتهام من هذا النوع عن شخصية بمكانة سليماني كان أمراً بالغ الخطورة، مضيفاً أن الشبل "كانت تعرف الكثير عن كل شيء". وكانت مجلة "المجلة"، التي يعمل معها حميدي، قد نشرت سابقاً مضمون التحذير المنسوب إلى سليماني. وجاءت هذه الشكوك في مرحلة شهدت تصاعداً كبيراً في عمليات الاغتيال الإسرائيلية داخل سوريا خلال الأشهر الأولى من عام 2024. وبحسب التحقيق، قُتل أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري الإيراني خلال تلك الفترة، قبل أن تبلغ العمليات ذروتها في الأول من نيسان، عندما استهدف الاحتلال الإسرائيلي مبنى تابعاً للمجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق، ما أدى إلى مقتل سبعة من ضباط الحرس الثوري، بينهم أحد أبرز القادة الإيرانيين العاملين في سوريا.

وبعد أسابيع من ذلك الهجوم، أوقفت أجهزة استخبارات النظام شقيق لونا الشبل وزوجته في مطار دمشق. ويقول التحقيق إن أجهزة النظام اتهمت شقيقها بتسريب تفاصيل اجتماع حساس داخل المجمع الإيراني، وإن تلك المعلومات وصلت، وفق الاتهامات، إلى الاحتلال الإسرائيلي قبل الغارات التي استهدفت الموقع. ولا يقدم التحقيق دليلاً يثبت أن شقيق الشبل سرب بالفعل هذه المعلومات أو أنها وصلت إلى الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يشير إلى أن اعتقاله زاد الشكوك داخل النظام بشأن احتمال عمل لونا الشبل لصالح جهة أجنبية.

أيامها الأخيرة.. غضب وخوف على شقيقها
ووفقاً لشهادة خبيرة أظافر كانت تلتقي الشبل بصورة متكررة خلال تلك الفترة، ووصفتها في الأشهر الأخيرة بأنها امرأة بدأت تفقد تماسكها. وقالت خبيرة الأظافر إن الشبل أخبرتها خلال إحدى الزيارات بأنها تعتقد أن الأمور ستُحل، لأن الأسد، بحسب تعبيرها، "يحرك الدنيا" من أجل إعادة شقيقها. لكن قبل أيام قليلة من مقتلها، بدت الشبل، وفق الشهادة نفسها، غاضبة ومشتتة.

ماذا حدث يوم الحادث؟
في الثلاثاء 2 من تموز 2024، نقلت وكالة "سانا" إعلان تعرض لونا الشبل لحادث سير. ووفقاً لشاهد قال إنه وصل إلى المكان بعد لحظات من وقوع الحادث، وبحسب روايته، ظهرت على سيارة الشبل آثار أوحت له بأن مركبتها تعرضت لصدم متعمد أدى إلى خروجها عن الطريق. وأضاف أن طاقم الحماية المرافق للشبل كان قد علق خلفها في حركة المرور ولم يكن موجوداً إلى جانب السيارة لحظة وقوع الحادث. كما قال الشاهد إن الإصابات التي لاحظها على رأس الشبل بدت، في تقديره، متوافقة مع تعرضها لضربة في مؤخرة الرأس، وليس مع إصابة ناتجة عن حادث سير.

ولا تقدم الصحيفة شهادة هذا الشخص بوصفها دليلاً قاطعاً على وقوع اعتداء، وإنما باعتبارها إحدى الروايات التي تدفع باتجاه التشكيك في الرواية الرسمية.

صورة للدماغ تثير مزيداً من الأسئلة
وقالت "The Observer" إنها اطلعت على صورة مسح لدماغ الشبل أُجريت في مستشفى الشامي يوم وقوع الحادث. وبحسب الصحيفة، تبدو الصورة متسقة مع إصابة ناجمة عن رضّ قوي أكثر مما تبدو متوافقة مع إصابة دماغية ناتجة عن حادث سيارة. ولا يشير التحقيق إلى صدور تقرير طبي أو قضائي رسمي يحسم سبب الإصابة، لذلك تبقى قراءة الصورة الطبية جزءاً من الأدلة التي استند إليها التحقيق في إثارة الأسئلة حول طبيعة ما جرى. كما قال شاهد موقع الحادث إن الهاتف الشخصي للشبل عُثر عليه لاحقاً ملقى في سلة مهملات. أما الجهاز الثاني الذي كانت تستخدمه في عملها، فقد اختفى ولم يكن ضمن أغراضها الشخصية التي وصلت إلى المستشفى، بحسب التحقيق. وقالت "The Observer" إنها شاهدت أيضاً تسجيلاً مصوراً يظهر سائق الشبل وأفراداً من طاقم حمايتها أثناء إخراجهم من المستشفى مكبلين، تحت حراسة عناصر من أجهزة استخبارات النظام المخلوع.

جنازة بلا حضور رسمي
واسع وفي اليوم التالي لإعلان مقتل الشبل، تحدثت وسائل إعلام النظام المخلوع عن إقامة مراسم تشييع لها، لكن من دون عرض تسجيلات مصورة للجنازة. ورأى التحقيق أن غياب الصور كان لافتاً بالنظر إلى موقع الشبل السابق بوصفها واحدة من أبرز الشخصيات المحيطة بالأسد. وقال شخص حضر التشييع للصحيفة إن عدد المشاركين كان قليلاً جداً.
وأضاف أن جثمان الشبل لم يُغطَّ بالعلم السوري وقتها، في حين كان ذلك إجراءً معتاداً في جنازات مسؤولين آخرين رفيعي المستوى.

لا جواب حاسماً بعد عامين
وبعد مرور نحو عامين على مقتل لونا الشبل، لم يظهر تفسير رسمي جديد يحل محل رواية النظام التي قالت إن ما جرى كان حادث سير. ولا يخلص التحقيق إلى أن الشبل اغتيلت بصورة مؤكدة، كما لا يحدد جهة بعينها مسؤولة عن مقتلها، لكنه يجمع شهادات وأدلة طبية ووقائع سابقة ولاحقة للحادث يقول إنها تجعل الرواية الرسمية موضع شك. كما لا يحسم التحقيق النظريات المتعددة التي أحاطت بمصير الشبل، سواء تلك التي تتحدث عن شبهات تجسس لصالح الاحتلال الإسرائيلي، أو عن صراعات داخل القصر الجمهوري، أو عن علاقتها المزعومة ببشار الأسد وأسماء الأسد. وما يثبته مسار الشبل، بحسب الصحيفة، هو حجم التراجع الذي أصاب نفوذها خلال الفترة الأخيرة من حياتها، بعدما كانت لسنوات في قلب الدائرة السياسية والإعلامية المحيطة برأس النظام. وبعد أشهر قليلة من مقتلها، تقدمت فصائل المعارضة من شمال سوريا وسيطرت على دمشق، قبل أن يفر بشار الأسد وأسماء الأسد ليلاً إلى خارج البلاد، تاركين خلفهما عدداً كبيراً من مسؤولي النظام. وتختتم "The Observer" تحقيقها بالإشارة إلى المفارقة في مسيرة الشبل، التي اعتقدت أن قربها من مركز السلطة يمنحها الحماية، في حين أظهرت نهايتها، وفق قراءة الصحيفة، أن الولاء داخل الأنظمة الديكتاتورية لا يوفر ضمانة دائمة لأصحابه.


sstnews,