
قال قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مظلوم عبدي، إن قواته وضعت خطة لاستكمال عملية انضمامها إلى الجيش السوري بشكل كامل خلال شهر آب الجاري، على أن تتحول إلى ألوية ضمن وزارة الدفاع السورية، مع احتفاظها بهيكلية عسكرية خاصة ووجود مقاتلين وقادة أكراد في مناطقهم. وفي مقابلة له مع قناة "رووداو"، قال إن الجزء الأكبر من قوات "قسد" لم ينضم بعد إلى الجيش السوري، في حين انضم جزء آخر بشكل رسمي وتلقى التدريبات اللازمة، مضيفاً أن العمل جارٍ لاستكمال العملية بالكامل خلال الشهر الحالي. وبحسب عبدي، فإن القوات الكردية ستضم ألوية في المالكية والقامشلي والحسكة وعين العرب (كوباني)، مع العمل على تشكيل لواء مرتبط بمنطقة عفرين، على أن تكون هذه القوات جزءاً من الجيش السوري وتؤدي مهام حماية مناطقها.
"قسد" ستغير اسمها وهيكليتها
واعتبر عبدي أن انضمام "قسد" إلى الجيش السوري يمثل، في الظروف الحالية، "الحل الأفضل" الذي أمكن التوصل إليه، مشيراً إلى أن العملية ستؤدي إلى تغيير شكل القوات وليس إلى اختفائها. وقال إن المقاتل الكردي سيتمكن، وفق الصيغة المتفق عليها، من أداء خدمته العسكرية في منطقته وحمايتها، وفي الوقت نفسه يصبح جزءاً رسمياً من الجيش السوري.
وأضاف أن قادة "قسد" سيأخذون مواقعهم ضمن المؤسسة العسكرية السورية، بينما ستتحول التشكيلات الحالية إلى ألوية بأسماء وتنظيمات جديدة. وبشأن مستقبل دوره الشخصي، قال عبدي إن انتهاء المهمة العسكرية لـ"قسد" سيخلق "فراغاً سياسياً" في المنطقة، مشيراً إلى أنه يعمل على "تشكيل مرجعية سياسية كردية قادرة على الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية". وأشار إلى أن هذه المرجعية قد تأخذ شكل حزب أو حركة أو تيار سياسي، مضيفاً أن الهدف الأساسي هو منع بقاء الفراغ الذي قد ينشأ بعد انتقال "قسد" إلى مؤسسات الدولة السورية. وكشف عبدي أن مسؤولين في دمشق أبدوا رغبة في بقائه داخل العاصمة للعمل معهم وإدارة الملفات المشتركة، لكنه قال إن قراراً نهائياً بهذا الشأن لم يُتخذ بعد.
"أكبر خطأ لي كان عدم تنفيذ اتفاق 10 آذار"
وفي واحدة من أبرز تصريحاته خلال المقابلة، قال عبدي إن أكبر خطأ ارتكبه كان عدم بذل جهود كافية لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس مع الدولة السورية. وأضاف: "أعطي شعبنا الحق في انتقادي" على خلفية ذلك، مؤكداً أنه تعهد هذه المرة ببذل "كل طاقاته وقدراته" لتنفيذ الاتفاق الحالي، حتى لو لم يكن متوافقاً بالكامل مع تطلعات "قسد". وبرر ذلك بالرغبة في منع اندلاع حرب جديدة وترسيخ الاستقرار، معتبراً أن مواصلة المطالبة بالحقوق الكردية يمكن أن تستمر بعد تثبيت الاتفاق الحالي. واعترف عبدي أيضاً بوجود أخطاء عسكرية خلال المعارك الأخيرة، ولا سيما الانسحاب من مناطق واسعة وخسارة السيطرة على حي الشيخ مقصود، وقال إن قيادة "قسد" أجرت مراجعة داخلية وحاسبت نفسها، على أن تعلن لاحقاً نتائج تلك المراجعات أمام الجمهور.
الحقوق الكردية والدستور
رأى عبدي أن اتفاقات "قسد" مع دمشق حققت، رغم "عدم تلبيتها كامل التطلعات الكردية"، نتيجة سياسية مهمة تتمثل في الاعتراف بمكانة الكرد داخل الدولة السورية. وقال إن تحويل هذه الاتفاقات إلى حقوق دستورية يحتاج إلى "نضال" ووحدة سياسية كردية، مشيراً إلى أن أطرافاً دولية تتابع تنفيذ الاتفاقات.
أضاف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أنه "الضامن السياسي" لاتفاق 29 كانون الثاني، بينما واصل مسؤولون أميركيون متابعة مسار التنفيذ. وأكد عبدي أن الضمان الأكبر للمكتسبات الكردية لا يكمن فقط في الضمانات الدولية، وإنما في وحدة القوى السياسية الكردية وتبني المجتمع الكردي لهذه المكتسبات والمشاركة في بناء سوريا الجديدة.
اللغة الكردية في صدارة المفاوضات
ووضع عبدي قضية اللغة الكردية في مقدمة الملفات التي تناقشها "قسد" مع دمشق، مؤكداً رفض تحويلها إلى مادة اختيارية في المدارس. وقال إن اللغة الكردية أصبحت لغة للتعليم في مناطق الإدارة الذاتية منذ نحو 15 عاماً ووصل تدريسها إلى المرحلة الجامعية، ولذلك "لا يمكن العودة" إلى جعلها مادة اختيارية. وكشف عن حصول تقدم في هذا الملف خلال اجتماعه الأخير مع الرئيس أحمد الشرع، مشيراً إلى تشكيل لجنة من أصحاب القرار لمعالجة قضية التعليم واللغة. وقال إن دمشق تطالب بأن يتقن الطالب الكردي اللغة العربية أيضاً، وهو أمر لا تعارضه "قسد"، بحسب عبدي، شرط استمرار اللغة الكردية لغة أساسية للتعليم إلى جانب العربية.
النفط أصبح بيد دمشق
وأكد عبدي أن حقول النفط التي كانت تحت سيطرة "قسد"، ومنها رميلان والسويدية، سُلّمت رسمياً إلى الدولة السورية ووزارة النفط. وأضاف أن شركات أميركية تعمل حالياً في هذه المواقع بموجب عقود مع الحكومة السورية، مؤكداً أن ملف النفط "في يد الدولة السورية". وبشأن حصة المناطق الكردية من عائدات النفط، قال عبدي إن "قسد" طالبت بمعاملة خاصة للمناطق الكردية، وخاصة محافظة الحسكة، بسبب ما وصفه بالتهميش الاقتصادي الذي تعرضت له خلال العقود الماضية. وأشار إلى وجود اتفاق عام على الاهتمام بتنمية هذه المناطق، لكنه أوضح أن التفاصيل العملية المتعلقة بالموازنات والتنمية ستظهر في المرحلة المقبلة.
لا مساعدات أميركية حالياً
قال عبدي إن الدعم الأميركي المباشر لـ"قسد" توقف منذ فترة طويلة، نافياً وجود مساعدات مالية أو عسكرية حالية من الولايات المتحدة أو أوروبا. وأوضح أن الدعم الأميركي خلال الحرب على تنظيم "داعش" كان مرتبطاً أساساً بالعمليات العسكرية ومهام محددة، ولم يكن دعماً مالياً شاملاً لجميع قوات "قسد". ورفض عبدي وصف انتهاء الدعم أو الانسحاب الأميركي بأنه "خيانة" للكرد، قائلاً إن واشنطن والدول الأوروبية كانت واضحة منذ البداية بشأن هدف وجودها، وهو محاربة تنظيم "داعش". وأضاف أن "قسد" كانت تأمل استمرار الدعم لفترة أطول، لكنها كانت تعرف أن التدخل الأميركي مرتبط أساساً بالحرب ضد التنظيم. وأكد، في الوقت نفسه، استمرار قنوات التواصل مع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، مشيراً إلى احتمال زيارته الولايات المتحدة في المستقبل بعد أن أجرت قيادة قسد لقاءات في أوروبا. وأشار إلى أن فرنسا لا تزال تقدم دعماً سياسياً، وأن التواصل مع قصر الإليزيه مستمر، لافتاً إلى الدور الذي لعبه الرئيس الفرنسي في الدفع باتجاه اتفاق 29 كانون الثاني.
وقف إطلاق النار وفتح قنوات مباشرة مع تركيا
ووصف عبدي العلاقة مع تركيا بأنها أفضل مقارنة بالعام السابق، مشيراً إلى توقف القصف ووجود قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين. وقال إن التواصل يتم من خلال لقاءات مباشرة بين ممثلين عن الطرفين، وإن "قسد" تريد الانتقال من مجرد وقف إطلاق النار إلى تفاهم أوسع مع أنقرة. وأبدى عبدي استعداداً لزيارة تركيا إذا تهيأت الظروف السياسية، مؤكداً وجود "إشارات إيجابية" بهذا الخصوص. كما ربط احتمال لقائه بعبد الله أوجلان بتطور العلاقة مع تركيا، وقال إنه لم يلتقِ أوجلان شخصياً حتى الآن، لكنه أبدى رغبته في لقائه، معتبراً أن له دوراً إيجابياً في مسار وقف إطلاق النار والعملية السياسية.
"نحتاج إقليم كردستان أكثر من أي وقت مضى"
وأكد عبدي أن علاقات "قسد" مع إقليم كردستان العراق في أفضل مراحلها، مشيراً إلى التواصل مع أربيل والسليمانية.
وقال إن المرحلة المقبلة، ولا سيما مرحلة إعادة الإعمار والاستثمار والعمل السياسي والدبلوماسي، ستجعل "قسد" بحاجة إلى دعم إقليم كردستان "أكثر من أي وقت مضى". وأشار إلى أن علاقات الإقليم الجيدة مع دمشق يمكن أن تساعد على بناء قنوات تعاون بين الأطراف الثلاثة. وفيما يتعلق بعلاقته بقنديل، دافع عبدي عن مقاتلي "حزب العمال الكردستاني" (PKK) الذين قدموا إلى شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية، قائلاً إن آلاف المقاتلين الأكراد من دول مجاورة شاركوا في القتال، وإن بعضهم قُتل ودُفن في المنطقة. لكنه أكد أن المرحلة الحالية مختلفة، وأن "قسد" قررت الانخراط في مؤسسات الدولة السورية والعمل مع دمشق.
مخاطر مستمرة في رأس العين وتل أبيض
وحذر عبدي من استمرار المخاطر الأمنية في مناطق شمال شرقي سوريا، وقال إن أي مشكلة صغيرة يمكن أن تتطور إلى مواجهة واسعة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل وتطبيع للأوضاع. وتطرق إلى أحداث مدينة رأس العين، قائلاً إن بعض القوى المسيطرة هناك "وضعت يدها على ممتلكات ومنازل الكرد وأشخاص كانوا مرتبطين بقسد"، ما أدى إلى تأخير عودة النازحين. وأشار إلى عودة قسم من سكان عدد من القرى، بعد إزالة الألغام وتأمين الظروف اللازمة، لكنه قال إن محاولة العودة إلى مدينة رأس العين نفسها شهدت أحداثاً أمنية بعد عدم التزام جهات محلية بتعهداتها بحماية العائدين.
انتقادات للخدمات مع اعتراف بالتقصير
وأقر عبدي بأن "الإدارة الذاتية" لم تقدم الخدمات بالمستوى الذي كان متوقعاً منها، وقال إن الانتقادات الشعبية بهذا الشأن "محقّة". لكنه أشار في الوقت نفسه إلى الظروف التي عملت فيها الإدارة الذاتية، ومنها الحرب والقصف والحصار وتدمير البنية التحتية، معتبراً أن المنطقة عاشت 15 عاماً في قلب الحرب. وقال إن "الإدارة الذاتية" كان بإمكانها تقديم خدمات أفضل بالموارد المتاحة، لكنه شدد على ضرورة أخذ العوائق التي واجهتها في الاعتبار عند تقييم تجربتها.
عبدي يدعو إلى سوريا لا مركزية
وجدد عبدي تأييده لنظام سياسي لا مركزي في سوريا، معتبراً أن الحكم المركزي الذي ساد خلال عهد حزب البعث المخلوع كان أحد أسباب المظالم والانتهاكات. وقال إن "سوريا جربت النظام المركزي وفشل، وبالتالي فإن تكرار التجربة لن يكون حلاً"، معتبراً أن "أفضل نظام لسوريا هو النظام اللامركزي".
ورأى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة للكرد ليصبحوا جزءاً من بناء الدولة السورية، بعدما كانوا، بحسب وصفه، خارج عملية تأسيس الدولة السورية بالشكل الذي يريده.