العلاقة بين روسيا وسوريا تتحول من راع إلى شريك.. مقابل استمرار وصولها إلى قواعدها العسكرية

قال تقرير نشرته مجلة "The Christian Science Monitor" الأميركية ، إن موسكو أبدت استعدادها لقبول امتيازات أقل وسيادة سورية أكبر مقابل استمرار وصولها إلى قواعدها العسكرية القديمة، في وقت تتحول فيها العلاقة بين البلدين من "راعٍ إلى شريك". وأشار التقرير، إلى أن الحكومة السورية، تستخدم نفوذاً جديداً لإعادة صياغة العلاقة، و"سحب الامتيازات التي كانت تتمتع بها موسكو في السابق"، وتعزيز العلاقات مع مجموعة من القوى الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج العربي وأوروبا. وقال الباحث المختص في الشأن السوري،في مجموعة الأزمات الدولية، نانار حواش، "إن الضربة الحقيقية لموقف روسيا في سوريا جاءت مع سقوط الأسد"، مشيراً إلى تحول موسكو من "راعٍ إلى شريك واحد من بين عدة شركاء"، على حد تعبيره. التقرير، وصف العلاقة الحالية بين سوريا وروسيا، بأنها "ضيقة النطاق وذات طابع نفعي"، حيث تسعى دمشق إلى الاحتفاظ بالخبرة العسكرية الروسية والإمدادات والدعم الدبلوماسي. في المقابل، تبدي موسكو استعدادها لقبول امتيازات أقل وسيادة سورية أكبر مقابل استمرار وصولها إلى قواعدها العسكرية القديمة، التي ستوفر لها موطئ قدم استراتيجياً في شرق المتوسط، وتدعم عملياتها في أفريقيا.
وجود غير ملحوظ
دعمت روسيا نظام الأسد المخلوع سياسياً وعسكرياً، واستخدمت حق النقض لحمايته في مجلس الأمن، ثم تدخلت بقواتها عندما اقترب من الانهيار. ولهذا أيضاً لم تغادر بعد سقوطه في 8 كانون الأول 2024، بل دخلت في مفاوضات طويلة مع الحكومة السورية الجديدة بحثاً عن صيغة تبقي لها حضوراً على الساحل. في 9 من آب الحالي، أعلنت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا تحدد مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس. وتنص المذكرة على إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، حيث ستتولى الدولة السورية، إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية، على أن يتم التحويل بمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. واتفق الجانبان على إعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، وتحويلها من قواعد عسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، ضمن ترتيبات قالت الوزارة إنها تحفظ المصالح المتبادلة. يقول عمرو العظم، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والأنثروبولوجيا في جامعة شوني ستيت، في حديثه للمجلة الأميركية، "من غير الواضح إلى أي مدى ستسمح دمشق للجيش الروسي بالبقاء في البلاد، السوريون لا يمانعون وجود الروس طالما كان الأمر غير ملحوظ، ومن دون مشكلات".
بقايا النظام المخلوع.. دون نشاط
لا تشكل موسكو حالياً تهديداً مباشراً للقيادة الجديدة في سوريا، وفقا للتقرير، إذ أنها قد "تُوفّر ملاذاً آمناً للأسد وأعضاء نظامه السابق، لكنها لا تسمح لهم بتنظيم العمليات ضد الحكومة السورية من الأراضي الروسية"، على حد تعبيره. وقال أستاذ تاريخ الشرق الأوسط عمرو العظم، "إذا أبقوهم تحت رقابة مشددة (بقايا النظام المخلوع) ولم يسمحوا لهم بالقيام بأي نوع من النشاط من أراضيهم ضد الإدارة الحالية، فأنا أعتبر ذلك انتصاراً". في المقابل، قال فلاديمير سوتنيكوف، خبير مستقل في السياسة الخارجية مقيم في موسكو، إن روسيا "لن تسلم الأسد أبداً. سيبقى هنا مع عائلته وممتلكاته. لا يمكن لروسيا أن تسمح بمثل هذه السابقة، فهناك العديد من الدول الأخرى التي قد تتقدم بمطالبات مماثلة"، على حد تعبيره. وأصدرت محكمة الجنايات الرابعة، في 11 من آب الحالي حكماً بالإعدام غيابياً بحق الرئيس المخلوع بشار الأسد بتهم التعذيب والقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، بحسب التقرير، "يتفق الخبراء على أن احتمالات تسليم روسيا للزعيم السوري لمحاكمته ضئيلة".
توازن القوى
ركزت الجهود الدبلوماسية السورية على تنويع شراكات سوريا، مع الحفاظ على قدر من التوازن في التعامل مع القوى العالمية الكبرى. وسافر الرئيس السوري أحمد الشرع مرتين إلى روسيا، ومرتين إلى الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي. ويرى التقرير أن هذا النهج يماثل "نهج تركيا في الجغرافيا السياسية، التي حافظت على علاقات عمل قوية مع كل من روسيا والولايات المتحدة". ويشرح فيكتور ليتوفكين، الخبير العسكري المستقل في موسكو، الميزة الاستراتيجية لهذا التوازن الدقيق قائلأً، "إذا كان النسر والدب ـ (بالإشارة إلى الولايات المتحدة وروسيا) ـ متقاربين وينظر بعضهما إلى بعض، حينئذ يمكن لسوريا أن تمارس شؤونها بهدوء". وتمنح مئات الغارات الجوية التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي داخل سوريا منذ سقوط النظام المخلوع، "سبباً إضافياً لدمشق لإبقاء موسكو حاضرة في المشهد"، بحسب التقرير. وقال عمرو العظم أستاذ تاريخ الشرق الأوسط، "إن روسيا لن تحارب إسرائيل نيابةً عن سوريا، لكن حتى الوجود العسكري الروسي المحدود في سوريا يمنح إسرائيل عاملاً إضافياً يجب أخذه في الاعتبار عند التخطيط لعمليات عسكرية عبر الحدود مستقبلاً".
اتصال لتعزيز العلاقات
أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالاً هاتفياً بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، أمس الأربعاء، بحثا خلاله مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تطويرها وتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، بحسب ما أفادت به الرئاسة السورية. وقالت الرئاسة السورية، عبر حساباتها الرسمية، إن الاتصال تناول مستجدات الأوضاع في المنطقة، وإن الجانبين أكدا أهمية مواصلة التنسيق والتشاور وتعزيز التواصل بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة. وأضاف البيان: "أكد الرئيس الروسي رفض بلاده الاعتداءات الإسرائيلية والانتهاكات التي تمس سيادة سوريا". بدوره، قال الكرملين إن بوتين أكد "موقفه المبدئي الداعم لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وضرورة تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق استقرار طويل الأمد وإعادة الإعمار".