sst news

تفكيك شبكة مرتبطة بفلول نظام الأسد المخلوع.. هل تتجه دمشق وبيروت إلى غرفة أمنية مشتركة؟


أثار تفكيك شبكة مرتبطة بفلول نظام الأسد المخلوع في لبنان، مطلع أيلول الجاري، تساؤلات بشأن حجم نشاطها والجهات التي تقف خلفها، بعدما كشفت التحقيقات عن نقل نحو 50 عنصراً من الساحل السوري إلى لبنان وتدريبهم على الأسلحة والمتفجرات والطائرات المسيّرة، تمهيداً لإعادتهم إلى سوريا. وبحسب مصادر أمنية لبنانية رفيعة تحدثت، أفضت التحقيقات إلى توقيف خمسة أشخاص، أبرزهم علي صافي، الضابط السابق في المخابرات الجوية، مع الاشتباه بضلوع ضابط مرتبط سابقاً بلواء "صقور الصحراء" في التنسيق الخارجي للشبكة، وسط شبهات بصلات مع جهات مقربة من حزب الله وضباط سابقين يقيمون في روسيا. فإلى أي مدى تهدد هذه الشبكات أمن سوريا ولبنان، وكيف يمكن للبلدين مواجهتها؟

خطر يتجاوز خلية واحدة
ورأى الخبير الأمني والعسكري ضياء قدور أن القضية تتجاوز في أبعادها خلية أمنية منفردة، معتبراً أن النشاط المرتبط بحزب الله انتقل من نمط الحضور العسكري المباشر في سوريا إلى الاعتماد على شبكات وخلايا أمنية أقل مركزية. وقال قدور، إن هذه الخلايا قد تعمل بصورة منفصلة ولا تتواصل فيما بينها، محذراً من أن الخطر يمكن أن يتصاعد في حال تمكنت من بناء شبكة تنسيق أوسع. وأضاف أن حزب الله يمتلك شبكة واسعة من الوكلاء الذين عملوا معه خلال سنوات وجوده في سوريا، ويسعى، بحسب تقديره، إلى إعادة التواصل مع بعضهم بعد سقوط النظام، مستفيداً من عناصر وضباط سابقين فقدوا مواقعهم ومصالحهم.

وأشار إلى أن طبيعة العناصر التي يمكن استقطابها لا تقتصر على انتماء طائفي معين، بل تشمل أشخاصاً عملوا سابقاً ضمن تشكيلات عسكرية وأمنية وميليشيات مرتبطة بالنظام وإيران. واعتبر قدور أن المعلومات التي يمكن الحصول عليها من الموقوفين تشكل أهمية كبيرة للأجهزة الأمنية، إذ قد تقود إلى الكشف عن خلايا أخرى ومسارات التمويل والاتصال والتدريب.

لماذا الساحل السوري؟
وفي تفسيره للتركيز على الساحل السوري، قال قدور إن المنطقة تضم شخصيات وضباطاً مرتبطين بالنظام السابق فقدوا نفوذهم وامتيازاتهم بعد سقوطه، وإن مصالح بعض هؤلاء تتقاطع مع جهات تسعى إلى زعزعة الاستقرار في سوريا. وحذر من محاولات استغلال التوترات والانقسامات المجتمعية لإحداث اضطرابات أمنية، معتبراً أن هذه الشبكات تمثل أحد أبرز التهديدات الأمنية التي تواجه سوريا إلى جانب تنظيم "داعش". كما أشار إلى أن تشديد السلطات السورية إجراءاتها على الحدود ومكافحة عمليات تهريب الأسلحة أدى إلى تضييق هامش الحركة أمام شبكات التهريب والجهات المستفيدة منها.

تهديد للأمن اللبناني أيضاً
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي اللبناني أسعد بشارة خلال الحلقة أن خطورة هذه الأنشطة لا تقتصر على سوريا، وإنما تمثل تحدياً مباشراً للبنان، لكونها تهدد استقراره وتعرقل بناء علاقة طبيعية بين بيروت ودمشق. وقال بشارة إن المعلومات المتعلقة بالشبكة تشير إلى وجود عمل منظم يتجاوز التحركات الفردية، مشيراً إلى وجود وسائل اتصال وتمويل هدفت، بحسب المعلومات المتوافرة، إلى الحد من قدرة الأجهزة الأمنية على تتبع تحركات عناصر الشبكة. ورأى أن تمكن الأجهزة اللبنانية من توقيف أفراد الشبكة يحمل دلالة على وجود قرار سياسي يسمح بملاحقة مثل هذه الأنشطة، معتبراً أن حزب الله لم يعد مطلق اليد في لبنان كما كان في مراحل سابقة. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الدولة اللبنانية لم تستعد بعد السيطرة الكاملة على جميع المناطق والملفات الأمنية، خصوصاً في المناطق التي يحتفظ فيها حزب الله بنفوذ عسكري وأمني.

رسائل سياسية وتحركات على الأرض
يتزامن الكشف عن الشبكة مع تصريحات للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في 4 من آب أبدى فيها استعداد الحزب لعقد لقاء علني مع القيادة السورية عندما يرى الجانبان أن الظروف أصبحت مناسبة، داعياً إلى الحفاظ على علاقات إيجابية وتعاونية بين البلدين.

إلا أن بشارة اعتبر أن وجود نشاط لفلول النظام السابق تحت حماية أو رعاية جهات مرتبطة بحزب الله، في حال أثبتته التحقيقات، يتناقض مع الرسائل السياسية التي يوجهها الحزب بشأن الانفتاح على دمشق. ووصف بشارة رسائل الحزب تجاه الدولة السورية بأنها كاذبة شكلاً ومضموناً، معتبراً أن على الدولة اللبنانية رفع الغطاء عن أي نشاط يستهدف الأمن السوري انطلاقاً من أراضيها، وتعزيز وجود الجيش على الحدود وملاحقة ضباط النظام السابق المتهمين بارتكاب جرائم والموجودين في لبنان. ودعا إلى فتح قنوات أوسع للتعاون الأمني والاستخباري بين بيروت ودمشق، وتبادل المعلومات بشأن تحركات ضباط النظام السابق وشبكات التهريب والتمويل.

ماذا عن الارتباط بروسيا؟
وفيما يتعلق بالمعلومات عن اتصالات بين أفراد الشبكة وضباط سابقين موجودين في روسيا، استبعد قدور وجود قرار رسمي روسي بدعم هذه التحركات، لكنه رأى أن موسكو مطالبة بالتحرك إذا ثبت استخدام أراضيها من قبل شخصيات تنشط ضد استقرار سوريا. وأوضح أن الموقف الروسي الرسمي المعلن يؤكد دعم استقرار الدولة السورية ووحدتها، ولذا فإن ثبوت وجود شخصيات على الأراضي الروسية تمول أو تنسق أنشطة أمنية داخل سوريا يستدعي، وفق قدور، موقفاً من موسكو. وشدد على ضرورة التمييز بين وجود اتصالات فردية أو شبكات خاصة تنطلق من الأراضي الروسية وبين تورط رسمي للدولة الروسية، وهو ما لا تثبته المعلومات المتاحة حتى الآن.

اختبار للتنسيق بين دمشق وبيروت
يأتي الكشف عن الشبكة في وقت تسعى فيه دمشق وبيروت إلى تعزيز التعاون الأمني وضبط الحدود المشتركة، بعد مباحثات سابقة بين وزارتي الداخلية في البلدين بشأن تفعيل قنوات التواصل المباشر ومواجهة عمليات التهريب والتنقل غير الشرعي. ويرى بشارة أن المطلوب من الجانب اللبناني الانتقال إلى مستوى أوسع من التنسيق الأمني مع دمشق، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات وضبط الحدود ومنع احتضان فلول النظام السابق أو استخدام الأراضي اللبنانية نقطة انطلاق لأي أنشطة تستهدف سوريا. في المقابل، يرى قدور أن تفكيك الشبكة الحالية قد يشكل مدخلاً للوصول إلى شبكات أخرى، إذا تمكنت التحقيقات من تتبع خطوط الاتصال والتمويل والأشخاص الذين تولوا عمليات التجنيد والتدريب. ويضع الملف السلطات في البلدين أمام تحدٍ يتجاوز تفكيك خلية واحدة، إلى بناء تعاون أمني قادر على ضبط الحدود وملاحقة شبكات التهريب ومنع إعادة تنظيم فلول النظام المخلوع، في ظل تعدد الجهات التي يمكن أن تستفيد من استمرار حالة عدم الاستقرار.

sstnews,