حراك سياسي وأمني واقتصادي يسبق زيارة الشرع إلى نيويورك

تشهد العلاقة بين دمشق وواشنطن حراكاً متزامناً على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، مع تحضيرات لزيارة وفد اقتصادي أميركي إلى دمشق خلال الأيام المقبلة، بالتوازي مع اتصالات سياسية وعسكرية متواصلة بين الجانبين، وذلك قبيل زيارة الرئيس أحمد الشرع المرتقبة إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان من أبرز هذه التحركات الزيارة غير المجدولة التي أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنقرة، التقى فيها مع نظيره التركي هاكان فيدان، تلاه اجتماعاً في ساعات متأخرة مع المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير الأميركي لدى تركيا توم براك، في لقاء يبدو أنه مهما بسبب توقيته والرسائل التي رافقته. ووصف براك اللقاء بأنه جزء من "العمل الحقيقي للدبلوماسية" الذي يجري بعيداً عن الأضواء، مشيداً بصراحة النقاشات وبأهمية الحوار وضبط النفس في منطقة لا تحتمل المزيد من الأخطاء وسوء التقدير. وتزامن ذلك مع مواقف أميركية متجددة بشأن السويداء، حيث أعاد براك التأكيد على ضرورة الحوار وخفض التصعيد، مذكّراً بخارطة الطريق التي جرى التوافق عليها قبل نحو عام لإعادة دمج المحافظة ضمن الدولة السورية مع ضمان حقوق أبنائها، ومعتبراً أن هذا المسار لا يزال الطريق الوحيد لتجنب دوامات جديدة من العنف. ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس استمرار الاهتمام الأميركي بملف الجنوب السوري، في وقت تتقاطع فيه النقاشات المتعلقة بالأوضاع الميدانية مع ملفات التهدئة والترتيبات الأمنية الأوسع في المنطقة.
وبالتوازي مع المسار السياسي، استمرت قنوات التواصل الأمني والعسكري بين دمشق وواشنطن. ففي أحدث هذه المحطات، استقبل رئيس هيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع السورية اللواء علي النعسان وفداً من الجيش الأميركي برئاسة قائد قوة المهام المشتركة لعملية "العزم الصلب" الأدميرال ليام هولين، حيث تناولت المباحثات ملفات مكافحة الإرهاب والتطورات الإقليمية. ولا يأتي هذا اللقاء بمعزل عن سلسلة اتصالات عسكرية شهدتها الأشهر الماضية، شملت مباحثات بين مسؤولين عسكريين من الجانبين حول مكافحة تنظيم "داعش"، وترتيبات تسليم بعض القواعد العسكرية، إضافة إلى ملف قاعدة التنف والتنسيق المرتبط بأمن الحدود ومحاربة التنظيم. وفي موازاة الحراكين السياسي والأمني، تبرز مؤشرات على تحرك اقتصادي أميركي آخذ بالتشكل. ويأتي ذلك بعد سلسلة خطوات اتخذتها واشنطن خلال العامين الماضيين شملت رفع العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا، قبل أن تستكمل هذا المسار بشطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة اعتبرتها الإدارة الأميركية عاملاً أساسياً لتسهيل عودة الاستثمارات والتعاملات الاقتصادية مع سوريا.
وفد اقتصادي رفيع
وفي هذا السياق، كشفت مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا أن دمشق ستستضيف خلال الأيام القادمة وفداً اقتصادياً أميركياً يضم ممثلين عن شركات، وسط توقعات بأن تشكل الزيارة مؤشراً مهماً على مستوى اهتمام القطاع الخاص الأميركي بالسوق السورية بعد التغييرات القانونية والسياسية التي شهدتها العلاقة بين البلدين خلال الفترة الماضية. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس فقط بسبب حجم المشاركة فيها، وإنما لأنها تمثل أحد أوائل الاختبارات العملية لمناخ الانفتاح الاقتصادي الذي أعقب رفع العقوبات وشطب سوريا من قائمة الإرهاب، في وقت لا تزال فيه العديد من الشركات والمؤسسات الإقليمية والدولية تراقب مسار العلاقة بين دمشق وواشنطن قبل اتخاذ خطوات أكثر اتساعاً تجاه السوق السورية. وفي ضوء تزامن هذه المسارات الثلاثة، السياسي والأمني والاقتصادي، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع المرتقبة إلى نيويورك جزءاً من مشهد أوسع تشهده العلاقة بين دمشق وواشنطن خلال الأشهر الأخيرة. فبين لقاءات أنقرة، والتواصل العسكري المباشر، والانفتاح الاقتصادي المتدرج، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يجري اختبارها على أكثر من مستوى، قبل وصول الطرفين إلى محطة الأمم المتحدة في نيويورك، التي ستكون الزيارة الثانية للشرع إليها والثالثة إلى الولايات المتحدة منذ توليه الرئاسة.