
فرضت دمشق ملف الجولان السوري المحتل عنوانا بارزا خلال مشاركتها باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في دورتها الـ81، إذ أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطابه أمام الجمعية وخلال جملة لقاءات وحوارات سياسية أجراها على هامش تلك الاجتماعات، أن الجولان أرض سورية وجميع قرارات الضم الإسرائيلية باطلة، كما جدد تمسك سوريا بالدبلوماسية والحوار في مواجهة اعتداءات إسرائيل، التي لم يتأخر ردها على لسان كبار المسؤولين فيها.
الجولان أرض سورية
وبرزت قضية الجولان كجزئية أساسية في خطاب الرئيس السوري الذي قال خلال كلمته أمام الجمعية العامة – إنه "لا يمكن لأي محاولات فرض واقع أن تمس شرعية دولتنا وسيادة قانوننا ونفاذ القانون الدولي" مضيفا أن "الجولان سيبقى أرضا سورية، وجميع إجراءات الضم باطلة وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن رقم 497″.
وأصدر مجلس الأمن الدولي، في 17 ديسمبر/كانون الأول 1981 بالإجماع، القرار 497 الذي يدعو إسرائيل لـ"إلغاء ضم مرتفعات الجولان بحكم الأمر الواقع".
وتضمن القرار الإشارة إلى أن "قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السوري المحتلة لاغ وباطل وليس له أثر قانوني دولي ".
مئات الانتهاكات الإسرائيلية
وتناول الرئيس السوري الانتهاكات الإسرائيلية بالأرقام، موضحا أن إسرائيل اعتدت على سوريا "بما يقارب 500 غارة جوية ومدفعية، وأكثر من 1200 توغل، وما يقارب 300 اعتقال واحتجاز للسوريين، بما يهدد استقرار سوريا ويخالف توجه العالم بأسره". وأكد أن "موقفنا المعلن لا يزال قائما بالالتزام باتفاق عام 1974، والدعوة لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط 8 ديسمبر/كانون الأول 2024″. وأعلنت تل أبيب انتهاء العمل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 في أعقاب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وعمدت القوات الإسرائيلية إلى توسيع نطاق انتشارها الميداني وتثبيت وجودها العسكري داخل الشريط العازل وعلى تخوم القرى الحدودية مع سوريا.
التمسك بالخيار الدبلوماسي
وخلال جلسة حوارية – نظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي في نيويورك، فجر الأربعاء – أكد الرئيس السوري "تمسك دمشق بالمسار الدبلوماسي، لكنها ترى أن حماية أمن السوريين وحقوقهم، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، يمثلان أساسا لأي حديث عن سلام دائم".
وأضاف الشرع – خلال الجلسة التي أدارها المسؤول الأمريكي السابق بريت ماكغورك – أن دمشق اختارت معالجة الاعتداءات الإسرائيلية بالدبلوماسية والحوار والمفاوضات، والاستعانة بدول صديقة لإسرائيل، بينها الولايات المتحدة.
وأوضح أنهم عقدوا عدة جلسات تفاوض مع إسرائيل، مضيفا "كلما اقتربنا من الاتفاق بنسبة 90%، تتراجع تل أبيب عند تلك النقطة لأسباب مختلفة". وعقدت سوريا وإسرائيل جولات تفاوض بوساطة أمريكية، إلا أن هذه اللقاءات لم تثمر وقفا للهجمات الإسرائيلية التي لقيت تنديد دول عدة منها الولايات المتحدة الحليفة لإسرائيل. وأعلنت سوريا في يوليو/تموز إجراء محادثات مع إسرائيل في الأردن تناولت خفض التصعيد، عقب غارات جوية شنّتها إسرائيل على قاعدة أبو الضهور الجوية في شمال غرب سوريا، مبررة ذلك باحتمال نشر قوات تركية فيها، وهو ما نفته دمشق وأنقرة.
تسوية قضية الجولان
وبشأن إمكان إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل تسوية قضية الجولان، قال الشرع "نحن نجري بالفعل محادثات مباشرة مع إسرائيل، وقد بدأت هذه المحادثات قبل نحو عام". وأوضح أن الأولوية تتعلق بالأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، وانسحابها إلى المواقع التي كانت تشغلها عام 1974، ثم بحث الترتيبات الأمنية. وأضاف "إذا نجحت تلك الترتيبات، يمكننا الانتقال إلى مناقشة سلام دائم"، مشددا على أن الجولان أرض سورية باعتراف الأمم المتحدة، وأن تبعيتها ليست موضع نقاش. وفيما يتعلق بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية، قال إن دمشق تناقشها باستمرار، وطرح احتمال تشكيل لجنة دولية لبحثها والتمييز بين المخاوف الحقيقية والتصورات.
نيوجيرسي بدل الجولان
وعن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسيادة إسرائيل على الجولان، قال الرئيس الشرع إنه مازحه خلال زيارته إلى البيت الأبيض قائلا:"لماذا لا تعطي نيوجيرسي للإسرائيليين؟ أنت لا تملك الجولان لتعطيه لهم، لكنك تملك نيوجيرسي". وأضاف "بعيداً عن المزاح، إن الجولان لأهله، وليس من حق الرئيس السوري أو الرئيس الأمريكي أو أي شخص آخر التنازل عنه أو منحه للآخرين".
ردود إسرائيلية
ولم تتأخر الردود الإسرائيلية على كلام الشرع، فوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلامه للشرع من منبر الجمعية العامة: "أقول للرئيس السوري إن اليهود موجودون في مرتفعات الجولان منذ زمن (النبي) موسى" فيما اعتبر السفير لدى الأمم المتحدة داني دانون أن ما أدلى به الشرع هو أشبه بـ"خطاب مترجم عن التركية"، في إشارة إلى العلاقة الوثيقة التي تربط بين أنقرة والسلطات الجديدة في دمشق.
وقال – في منشور على منصة إكس -"لكن لن يغير أي خطاب الواقع. فمرتفعات الجولان ستظل دائما جزءا من إسرائيل". وفي تل أبيب، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجولان سيبقى تابعا لإسرائيل "إلى الأبد" مضيفا "ردي الواضح على الرئيس السوري الذي أطلق تصريحات رنانة من على منبر الأمم المتحدة.. الجولان تحت السيادة الإسرائيلية هو جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل إلى الأبد".
الجولان.. الموقع والأهمية
وهضبة الجولان تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من سوريا، يحدها من الجنوب نهر اليرموك، ومن الغرب بحيرة طبريا ووادي الحولة، ومن الشمال جبال لبنان الشرقية وجبل الشيخ، ومن الشرق وادي الرقاد. تقع هضبة الجولان إلى الجنوب من نهر اليرموك وإلى الشمال من جبل الشيخ وإلى الشرق من سهول حوران وريف دمشق، وتطل على بحيرة طبرية ومرج الحولة غرب الجليل ما أعطاها أهمية إستراتيجية بإشرافها على جنوب لبنان والجليل وجنوب سوريا.
وتعتبر مدينة القنيطرة أهم مدينة في الجولان وتبعد حوالي 50 كيلومترا إلى الغرب من مدينة دمشق. وتمتاز هضبة الجولان بثرواتها المائية، حيث تغذي مياهها نهر الحاصباني في لبنان ونهر الأردن. وقد وضعت سلطات الاحتلال يدها على ثروات الجولان المائية من ينابيع وجداول مائية بصورة مبكرة من الاحتلال، بحيث بات الجولان يوفر لإسرائيل ما نسبته 30% من استهلاكها السنوي للمياه.
حرب يونيو والاحتلال
واحتلت إسرائيل حوالي ثلثي مساحة هضبة الجولان (البالغة 1860 كم مربع) في 9 يونيو/حزيران 1967، ونزح معظم السكان البالغ عددهم حينها حوالي 138 ألف نسمة من 131 قرية و112 مزرعة بعد 3 أيام من القصف العنيف. وزعمت إسرائيل في مسألة تهجير الجولانيين أنهم قد "غادروا " إذ لم يبق سوى 6369 نسمة، فيما يزيد عدد سكان الجولان اليوم على 27 ألف نسمة، يتوزعون بين 6 قرى هي: مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاثا، وعين قينية، والغجر، وسحيتا.
وفي 14 يوليو/تموز 1967 بدأ أول مشروع استيطاني في الجولان، حيث توجهت مجموعة شبان يهود من سكان الكيبوتسات إلى معسكر مهجور للجيش السوري في قرية العليقة المدمرة، وأقامت مخيم عمل بحجة جمع قطعان الأبقار المشتتة في أنحاء الهضبة، الذي أسس لإقامة أول مستوطنة وهي "مروم جولان" لتنضم إليها 33 مستوطنة يقطنها حاليا 27 ألف شخص. وفي ديسمبر/كانون الأول 1981 قرر الكنيست الإسرائيلي بشكل أحادي ضم الجزء المحتل من الجولان، غير مبال برفض مجلس الأمن والمجتمع الدولي. وفي 26 ديسمبر/كانون الأول 2021 قدم رئيس الوزراء بينيت خطة استيطانية تتضمن بناء 3300 وحدة استيطانية في "كتسرين" – كبرى المستوطنات الإسرائيلية بالجولان – وكذلك بناء 4 آلاف وحدة سكنية في "المجلس الإقليمي الاستيطاني".
فك الاشتباك
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، شنت مصر وسوريا حربا ضد إسرائيل، بهدف استعادة أرض سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية المحتلة، قبل أن تتوقف المعارك ويتم التوصل في الجبهة السورية لاتفاق فك الاشتباك عام 1974. وتضمنت الاتفاقية ترتيبات لفصل القوات، وحددت خطين رئيسيين، عُرفا بـ"ألفا" و"برافو"، ويفصلان بين المواقع العسكرية السورية والإسرائيلية. كما أنشئت منطقة عازلة بين الخطين، تخضع لإشراف قوة من الأمم المتحدة تعرف بـ"الأندوف". وأعلنت إسرائيل من طرفها في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انسحابها من اتفاقية فصل القوات مع سوريا، وتقدمت في جبل الشيخ والمنطقة العازلة بين البلدين، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وقال نتنياهو "انهارت اتفاقية فصل القوات لعام 1974، بعد أن تخلى الجنود السوريون عن مواقعهم"، قائلا "لن نسمح لأي قوة معادية بالتموضع على حدودنا".