
أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ بإعفاء روسيا من العقوبات، قبل أيام من موعد دخولها حيز التنفيذ، غضب أعضاء في الكونغرس، بعدما أقر البرلمان الأميركي التشريع بأغلبية ساحقة وبدعم من الحزبين، في إظهار لتأييد الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها مع روسيا. ووجّه مشرعون من الحزبين انتقادات حادة للأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في وقت متأخر من الجمعة، في أحدث خطوة ضمن سلسلة إجراءات اتخذها الرئيس الجمهوري وقرّبت الولايات المتحدة من روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. وكان ترامب قد أعلن مؤخراً عن اتفاق مع بوتين لاستيراد وقود الديزل الروسي، في محاولة محدودة الفرص لخفض أسعار الوقود المرتفعة في الولايات المتحدة، التي تلقي بظلالها على انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني). وكتب السيناتور الجمهوري توم تيليس، عن ولاية نورث كارولاينا، على وسائل التواصل الاجتماعي: "هذا يتجاوز حدود عدم المسؤولية"، وذلك بعد ساعات من تعبير الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن أمله في إمكانية إعادة تفعيل العقوبات التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ اليوم، وتستهدف الاقتصاد الروسي.
وذكّر تيليس أن القانون تم إقراره في مجلس الشيوخ بأغلبية 86 صوتاً مقابل 11، معتبراً أنه "من غير المقبول أن ترضخ هذه الإدارة" الأميركية للرئيس الروسي. ورأى تيليس أنه إذا كان ترامب يريد خفض أسعار الطاقة فعلياً، فعليه إنهاء الحرب مع إيران، التي يُلقى عليها باللوم إلى حد كبير في ارتفاع أسعار الوقود، "بدلاً من تقديم خدمة لفلاديمير بوتين"، بحسب تعبيره. بدوره، قال السيناتور الجمهوري جون كورنين، عن ولاية تكساس، إن "ليندسي سيكون مصدوماً"، في إشارة إلى السيناتور الراحل ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي عمل بلا كلل على مشروع القانون قبل وفاته هذا الصيف. ويعرف مشروع القانون باسم "قانون ليندسي غراهام للعقوبات على روسيا". من جهته، قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن ولاية نيويورك، في بيان: "من خلال تقديم دعم يبقي الاقتصاد الروسي على قيد الحياة تزداد صفقة ترامب (مع روسيا).. سوءاً يوماً بعد يوم"، بحسب تعبيره. من جانبه، قال السيناتور ريك سكوت، الجمهوري عن ولاية فلوريدا، في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس": "أعتقد أنه من الواضح أن روسيا هي المعتدية، وعلينا أن نفعل كل ما بوسعنا لممارسة ضغوط اقتصادية على روسيا. لذا فإن هذا ليس أول شيء قد أقدم على فعله". وتأتي تحركات ترامب في وقت تستعد فيه أوكرانيا لمواجهة شتاء قاس، وسط استمرار الهجمات الروسية على بنيتها التحتية للطاقة، والتي تستهدف قطع التدفئة والكهرباء عن المدنيين. وفي المقابل، حث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي اتسمت علاقاته مع ترامب بالتوتر رغم حفاظه على روابط وثيقة مع المشرعين الأميركيين، مؤيديه على التصريح علناً لصالح فرض العقوبات. وفي وقت لاحق، قال ترامب للصحفيين إنه لم يتخذ قراراً نهائياً بعد بشأن العقوبات على روسيا، رغم توقيعه أمراً تنفيذياً مساء الجمعة استند إلى اعتبارات تتعلق بالمصالح الوطنية الأميركية. وأضاف خلال عشاء لجمع التبرعات في مقر إقامته بولاية فلوريدا: "سنكتشف ذلك، وستكتشفونه أنتم أيضاً. لكنه قرار صائب للغاية، وسيعود بالنفع على البلاد، وأعتقد أنه جيد للعالم".
مساعدو ترامب يتصدرون
بينما تتزاحم الأزمات على طاولة واشنطن، من إيران واليمن إلى أوكرانيا، يتوجه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى آسيا الوسطى، في جولة تعكس ابتعاده المتكرر عن واجهة الملفات الأكثر سخونة، مقابل تصدر مساعدي الرئيس دونالد ترامب أبرز المسارات التفاوضية. إذ توجه روبيو، إلى أوزبكستان، حيث يُنتظر وصوله إلى سمرقند للقاء قادة دول آسيا الوسطى الخمس ضمن إطار مجموعة "سي 5+1"، التي تجمع الولايات المتحدة وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، بحسب وكالة "رويترز".
فيما لا تزال الحرب مع إيران ناراً تحت الرماد، وتستمر المواجهات بين القوات اليمنية وميليشيات الحوثي، بينما يتسع صدع جديد في العلاقات الأميركية الأوكرانية. بالرغم من ذلك، يتجه الوزير إلى منطقة تقع بعيداً عن مراكز هذه الأزمات، في مشهد يتكرر منذ توليه منصبه.
غياب يتجاوز زيارة واحدة
ولا تقتصر المفارقة على توقيت جولة سمرقند، إذ توجه روبيو مرارا خلال الفترة الماضية إلى مناطق لا تتصدر عناوين الأخبار، بينما تولى مسؤولون آخرون في إدارة ترامب بعض الملفات الأكثر تعقيداً. فمنذ توليه وزارة الخارجية، لم يزر روبيو كييف أو موسكو. كما غاب عن المحادثات التي جمعت مسؤولين أميركيين وأوكرانيين في فلوريدا هذا الشهر، حين ضغط الجانب الأميركي على أوكرانيا لوقف قصف المصافي الروسية. وفي الملف الإيراني، مثّل نائب الرئيس جيه.دي فانس الولايات المتحدة في المحادثات التي استضافتها باكستان في أبريل/نيسان، سعياً لإنهاء الحرب مع طهران، فيما بقي وزير الخارجية بعيداً عن واجهة ذلك المسار التفاوضي.
كذلك، شملت جولة روبيو السابقة، في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، اليونان والبرتغال وأيسلندا، لتضيف مثالاً آخر إلى تحركات دبلوماسية تجري بعيداً عن أبرز بؤر التوتر.
دائرة ترامب تتصدر
في المقابل، برز المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب فانس، ضمن الشخصيات التي عهد إليها ترامب بإدارة ملفات حساسة في السياسة الخارجية. وكشف هذا التوزيع عن اتساع دور دائرة الرئيس في قيادة المفاوضات المرتبطة بالأزمات الكبرى، بينما انصرف وزير الخارجية إلى مسارات أخرى، أقل حضوراً في التغطية اليومية للأحداث. ومع أن غياب روبيو عن هذه المحطات لا يثبت استبعاده من المشاورات الداخلية أو صنع القرار، فإنه يبرز ابتعاده عن الصدارة العلنية للمفاوضات، وهي مساحة يشغلها مسؤولون آخرون في الإدارة.
لماذا آسيا الوسطى؟
في غضون ذلك، يدافع المسؤولون الأميركيون عن الاهتمام بآسيا الوسطى، مؤكدين أن المنطقة الغنية بالموارد، والواقعة بين الصين وروسيا وإيران، تستحق حضوراً أميركياً أكبر مما حظيت به في الإدارات السابقة.
وقد استضاف ترامب قادة دول المنطقة الخمس في البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين وافقت قازاخستان على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، التي طبّعت بموجبها دول ذات أغلبية مسلمة علاقاتها مع إسرائيل أو عززتها. كما التقى الرئيس الأميركي نظيره الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، بما يعكس اهتماماً رئاسياً بتطوير العلاقات مع المنطقة. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه العلاقات لا تبدد المفارقة بشأن تحرك روبيو نحو آسيا الوسطى، في الوقت الذي تبقى أبرز المفاوضات المتعلقة بالأزمات الملتهبة في أيدي شخصيات أخرى.
دفاع عن وجهات الوزير وفي مواجهة الانتقادات، يرفض مسؤولو الإدارة اعتبار العواصم الكبرى ومناطق النزاع الوجهات الوحيدة الجديرة بزيارات المسؤولين على مستوى مجلس الوزراء.
كتب نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو، على منصة "إكس"، الأسبوع الماضي، أن الاعتقاد بأن وجهات بعينها وحدها تستحق زيارة وزير الخارجية "يلخص تماماً تردي وتدهور مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة". لكن الجدل تجاوز وجهة سفر بعينها إلى توزيع الأدوار داخل الإدارة، إذ تكرر حضور المقربين من ترامب في واجهة الأزمات، بينما واصل روبيو جولاته بعيداً عن مراكزها.