sst news

فرنسا على صفيح ساخن.. غضب طلابي وتصاعد المواجهات والاعتقالات


تتسع رقعة الاحتجاجات في فرنسا مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستويات الخدمات العامة، في وقت تتداخل فيه مطالب الطلاب مع تحركات حركة "السترات الصفراء"، وسط اتهامات سياسية لحزب "فرنسا الأبية" اليساري بتأجيج الاضطرابات واستغلال المطالب الطلابية لتحقيق أهداف سياسية. وشهدت مدن فرنسية عدة، بينها باريس وليون ومرسيليا، مواجهات بين محتجين وقوات الشرطة، تخللتها أعمال تخريب واقتحام لمبان عامة، في حين أثارت طريقة تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين، ولا سيما القاصرين، انتقادات حقوقية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عن التجاوزات.
وفي خضم هذه التطورات، دخلت الاحتجاجات دائرة التجاذبات السياسية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، إذ حمّلت الحكومة وحلفاؤها حزب "فرنسا الأبية" مسؤولية تأجيج التحركات، بينما ينفي الحزب الاتهامات الموجهة إليه ويتمسك بدعمه مطالب المحتجين.

مواجهات متصاعدة
وبدأت التحركات الاحتجاجية في مدارس ثانوية بالضواحي الشمالية لباريس، ثم اتسعت لتشمل قطاعات مختلفة، وتركزت مطالبها في معالجة أوجه عدم المساواة، وتحسين الإنفاق العام، ومواجهة تراجع مستويات المعيشة وارتفاع تكاليف الخدمات العامة. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، شهدت العاصمة باريس ومدن أخرى مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، وأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع واستخدمت خراطيم المياه لتفريق المحتجين، في حين رشق شبان ملثمون عناصر الشرطة بمقذوفات وألعاب نارية. وفي مدينة ليون، أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة، كما اقتحم متظاهرون لفترة وجيزة مقر بلدية مرسيليا، حيث أُبلغ عن أعمال تخريب داخل المبنى، واستُدعيت تعزيزات شرطية عقب اتصالات مع رئيس الوزراء ووزير الداخلية. وفي باريس، هاجم نحو 100 متظاهر مقر قناة "سي نيوز" التلفزيونية المملوكة للملياردير فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات على واجهته، وفق شرطة العاصمة، التي أعلنت توقيف 21 شخصا، إضافة إلى توقيف 40 آخرين لحيازتهم معدات حماية أو أسلحة محظورة.

ومع مرور الوقت، سجلت السلطات الفرنسية 140 احتجاجا خارج باريس، شارك فيها نحو 32 ألفا و800 شخص، كما انطلقت المسيرة الرئيسية في العاصمة، بمشاركة محتجين من حركة "السترات الصفراء"، وطلاب مدارس ثانوية وجامعات، وناشطين في مجال المناخ وقطاعات أخرى. وكانت المسيرة مقررة باتجاه ساحة كليشيه شمال باريس، عبر مسار سمحت به الشرطة، التي حظرت التجمع في مواقع أخرى، بينها محيط قصر الإليزيه ومقر رئاسة الوزراء وجادة الشانزليزيه. وقالت طالبة تبلغ من العمر 19 عاما، تُدعى لولا، إن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وما يتعرض له طلاب المدارس الثانوية من اعتداءات خلال الاحتجاجات، تمثل دوافع رئيسية للمشاركة في التحركات، وأشارت إلى مطالب الطلاب بتوفير مزيد من المعلمين وتحسين ظروف التعليم.

اتهامات سياسية
ومع اتساع الاحتجاجات، تحولت التحركات الطلابية إلى محور خلاف بين الحكومة والمعارضة، إذ اتهمت الحكومة الفرنسية حزب "فرنسا الأبية" (أقصى اليسار) بتأجيج الاحتجاجات، وهو ما ينفيه الحزب الذي يقوده جان لوك ميلانشون. وفي خضم الجدل، نقلت ناطقة باسم الحكومة عن الرئيس إيمانويل ماكرون اعتقاده أن مطالب الطلاب المتظاهرين المشروعة تُستغل لأغراض سياسية. كما دخل مرشحون للرئاسة على خط الانتقادات الموجهة إلى الحزب اليساري، من بينهم غابرييل أتال ومارين لوبان، في أعقاب تصاعد عمليات إغلاق المدارس الثانوية والحوادث التي شهدتها محيطاتها. وفي 1 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، سُجلت 900 حادثة على الأقل بالقرب من المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا، وفق مصدر أمني. وتزامنت هذه التطورات مع استجابة بعض الهيئات الطلابية في التعليم العالي لدعوة اتحاد طلاب المدارس الثانوية إلى تنظيم جولة جديدة من التحركات الاحتجاجية. واتهم مكتب رئيس الوزراء حزب "فرنسا الأبية" بأنه يقف وراء الحركة، التي بدأت في مدرسة سانت إكزوبيري الثانوية بمدينة كريتيل في 17 سبتمبر/أيلول، احتجاجا على نقص الموارد في قطاع التعليم، وبعد 4 أيام زار المدرسة النائبان كليمنس غيتي ولويس بويارد، المنتميان إلى الحزب.

تباين في المواقف
من جهتها، أكدت مارين لوبان أن حزب "التجمع الوطني" الذي تقوده يقف إلى جانب الشرطة، في موقف ينسجم مع خطابه الداعي إلى فرض القانون والحفاظ على النظام. وفي المقابل، أعلن ميلانشون دعمه الاحتجاجات الطلابية، وشارك في إحدى المظاهرات التي نُظمت يوم الثلاثاء. وتأتي هذه المواجهة السياسية في وقت يدخل فيه ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته وسط انقسامات سياسية، بينما تستعد البلاد لانتخابات رئاسية مقررة في أبريل/نيسان ومايو/أيار. ويثير احتمال التقاء حركة "السترات الصفراء" مع التحركات الطلابية مخاوف من اتساع الاضطرابات، في وقت ترى فيه أحزاب المعارضة أن الاحتجاجات تتيح لها مساحة أكبر لطرح مواقفها.

انتقادات حقوقية
ولم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على المواجهة السياسية والأمنية، بل امتدت إلى طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين، ولا سيما الطلاب القاصرين، وسط انتقادات حقوقية لاستخدام القوة خلال تفريق التجمعات.

وفي مقال نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" قبل أيام، انتقدت الباحثتان إيفا كوسيه وألماز تيفيرا استخدام قوات مكافحة الشغب وسائل عنيفة ضد تلاميذ قاصرين، بما في ذلك الهريّ وأساليب التقييد القاسية. وأشار المقال إلى احتجاز أكثر من 6800 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات، يشكل الأطفال نحو 86% منهم، محذرا من أن التحقيقات الداخلية المتعلقة بتجاوزات الشرطة نادرا ما تنتهي بمحاسبة فعلية للمسؤولين. وأعلنت الحكومة الفرنسية تعليق استخدام القنابل الصوتية مؤقتا خلال الاحتجاجات المدرسية، كما فُتح 36 تحقيقا داخليا في اتهامات بسوء سلوك الشرطة. وبحسب أرقام وزارة الداخلية الفرنسية، أُصيب نحو 200 طالب وما يقرب من 900 عنصر من قوات الأمن خلال الاحتجاجات، في حين أفادت وزارة العدل بأن نحو 7950 شخصا، معظمهم قاصرون، وُضعوا رهن الاحتجاز. وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة سجل تعامل الشرطة الفرنسية مع الاحتجاجات، بما في ذلك الإصابات الخطيرة التي وثقتها هيومن رايتس ووتش خلال احتجاجات "السترات الصفراء" عام 2018، واستخدام القوة خلال التحركات الرافضة لإصلاح نظام التقاعد والاحتجاجات البيئية عام 2023. ولفتت المنظمة إلى أن المظاهرات الطلابية انطلقت من مدارس تقع في أحياء شعبية، حيث يواجه شباب من خلفيات عرقية مختلفة مضايقات من الشرطة ويخشون التعرض للعنف. كما حذرت من مشروع قانون يفترض مشروعية استخدام الشرطة للأسلحة النارية ما لم يثبت العكس، معتبرة أن ذلك قد يسهل اللجوء إلى إطلاق النار ويعقّد محاسبة أفراد الأمن أمام القضاء.

ودعت هيومن رايتس ووتش السلطات الفرنسية إلى وقف التعامل مع الأطفال الذين يتظاهرون سلميا بوصفهم تهديدا أمنيا، واحترام حقهم في الاحتجاج والاستماع إلى مطالبهم التعليمية. كما طالبت بإجراء تحقيقات سريعة وشاملة في حوادث استخدام القوة، ومراجعة الأساليب الأمنية والصلاحيات التي قد تشجع على عنف الشرطة، مع ضمان حماية حقوق الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وفي ظل استمرار الاحتجاجات وتعدد مطالب المشاركين فيها، تواجه الحكومة الفرنسية تحديا يجمع بين احتواء الغضب الاجتماعي والتعامل مع المواجهات الأمنية، بينما يتواصل الجدل بشأن دور القوى السياسية في توجيه التحركات الطلابية واستثمارها في الصراع على مستقبل البلاد السياسي.

sstnews,