
لم يعد الخريف الأوروبي مجرد موسم لتساقط الأوراق؛ فشوارع عدة في القارة العجوز تحولت إلى ساحات احتجاج ومواجهات، مع تصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وصعوبة تأمين السكن. وبعد تجددت التحركات في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال قبل يومين، وسط مشاهد من الدخان والحرائق واشتباكات مع قوات الأمن، تتسع تداعيات "خريف أوروبا" مع تصاعد الضغوط على الحكومات لاحتواء موجة غضب تغذيها تكاليف المعيشة وأزمة السكن والطاقة، في وقت بدأت فيه السلطات تشديد إجراءاتها الأمنية، وسط مخاوف من انتقال الاضطرابات إلى مدن جديدة.
وفي فرنسا، اتجهت السلطات إلى فرض قيود أمنية وحظر تجول في مناطق محددة، عقب ليالٍ من الاضطرابات وأعمال التخريب. وبينما تسعى الحكومة إلى استعادة الهدوء، لا تزال دعوات الاحتجاج قائمة، في مؤشر على أن الإجراءات الأمنية لم تُنهِ أسباب الغضب، وأن المواجهة قد تتجدد خلال الأيام المقبلة، فيما يتم تناقل أخبار عن موجة احتجاجات جديدة يوم 24 أكتوبر الجاري.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن فرنسا ستفرض، حظر تجول جديدا في المناطق التي يستدعي الوضع فيها ذلك، وذلك بعد ليلة أولى طُبق فيها حظر تجول جزئي في مدن كبرى بينها العاصمة باريس.
أما في إيطاليا، فقد اتخذت التطورات منحى أكثر تشددًا، مع الاستعداد لنشر 500 جندي لتعزيز الأمن في ميلانو، بعد أعمال شغب ونهب استهدفت متاجر. وتكشف هذه الخطوة عن حجم القلق الرسمي من تكرار الاعتداءات على الممتلكات، وتحول بعض التحركات من احتجاجات في الشوارع إلى مواجهات مع السلطات.
وفي بلجيكا، شهدت مناطق من بروكسل ولييج توترات وأضرارًا بالممتلكات وتوقيفات، فيما تتواصل التحركات المرتبطة بالتعليم والخدمات العامة. وعلى الضفة الأخرى، تظل أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في إسبانيا والبرتغال من أبرز الملفات التي تحشد الشباب والنقابات والمجموعات الاجتماعية.
ولا تتشابه جميع هذه التحركات في دوافعها أو أساليبها؛ فبعضها سلمي ويركز على المطالب الاقتصادية والاجتماعية، بينما شهدت مناطق أخرى أعمال عنف وتخريب. لكن القاسم المشترك بينها هو تنامي الشعور بصعوبة تحمل تكاليف الحياة، وتراجع الثقة بقدرة السياسات الحكومية على تقديم حلول ملموسة.
وتزيد أزمة الطاقة من تعقيد المشهد، مع الضغوط التي تواجه الأسواق الأوروبية وارتفاع تكاليف الوقود، ما يهدد بتوسيع دائرة المتضررين من الغلاء. وفي الوقت نفسه، تتخوف قوى سياسية من أن تتحول الاحتجاجات إلى عامل ضاغط على الحكومات مع اقتراب استحقاقات انتخابية.
وبين حظر التجول وانتشار القوات الأمنية واستمرار الدعوات إلى التظاهر، تدخل أوروبا مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها المطالب المعيشية مع تحديات الأمن والاستقرار السياسي. ويبقى السؤال: هل تنجح الحكومات في احتواء الغضب عبر حلول اقتصادية واجتماعية، أم أن "خريف أوروبا" مرشح لمزيد من التصعيد؟
فرنسا.. أكثر من نصف مليون متظاهر وشوارع على صفيح ساخن
يذكر أن فرنسا شهدت أكبر التحركات، إذ أعلنت وزارة الداخلية مشاركة أكثر من 550 ألف متظاهر في احتجاجات السبت 17 أكتوبر، فيما قدّر المنظمون العدد بنحو 800 ألف شخص. وامتدت المسيرات إلى نحو 140 مدينة خارج باريس، وفق تقارير إعلامية نقلت بيانات رسمية، احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة وأوضاع المدارس. وفي باريس، تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات عنيفة، بعدما حطّم محتجون واجهات متاجر وأضرموا النيران في حواجز، بينما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. ولم تقتصر الاضطرابات على العاصمة، بل امتدت إلى مرسيليا وليون وبوردو ومدن أخرى، في مشاهد أعادت إلى الأذهان احتجاجات "السترات الصفراء" التي هزت فرنسا منذ عام 2018. وامتدت الأضرار إلى مبانٍ عامة، كان أبرزها مبنى بلدية ليموج التاريخي الذي اندلع فيه حريق، فيما تعرضت متاجر ومنشآت أخرى للتخريب. وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف أكثر من 2400 شخص وإصابة قرابة ألف من عناصر الشرطة، بحسب حصيلة نقلتها رويترز في 18 أكتوبر. كما توفي أحد المحتجين بعد تعرضه لتوقف قلبي خلال الأحداث في باريس. ودعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الهدوء، مؤكدًا أن المطالب الاجتماعية المشروعة لا تبرر العنف والتخريب. لكن الاضطرابات فتحت مجددًا باب التساؤلات بشأن قدرة الحكومة على احتواء الغضب، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وتصاعد النقاش بشأن التعليم والقدرة الشرائية ومستوى الخدمات العامة.
بلجيكا.. الطلاب يصطدمون بالشرطة
وفي بروكسل، خرج مئات الأشخاص، معظمهم من الشباب، للاحتجاج على ارتفاع تكاليف التعليم وإصلاحات يخشون أن تجعل الوصول إلى التعليم العالي أكثر صعوبة. وشهدت العاصمة مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما أقدم بعض المحتجين على قلب سيارة، بحسب شاهد من رويترز. كما شهدت مدينة لييج تحركات طلابية مرتبطة بتكاليف الدراسة وصعوبة الوصول إلى المواد التعليمية.
إيطاليا.. نهب وحرائق في قلب ميلانو
وفي إيطاليا، تجددت المواجهات في ميلانو، الأحد 18 أكتوبر، بعدما ألقى محتجون الحجارة وحطّموا واجهات متاجر وأضرموا النار في حاويات بالقرب من ساحة الكاتدرائية الشهيرة. وردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما اقتيد أكثر من 60 محتجًا إلى مراكز الشرطة لإجراء مزيد من التحقيقات. وكانت مواجهات اليوم السابق قد أسفرت عن توقيف 28 شخصًا في مدن بشمال البلاد، بينها ميلانو وبولونيا وبريشيا وبرغامو وتورينو. ودانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف، وأعلنت عقد اجتماع حكومي لبحث كيفية التعامل مع التطورات. لكن المشهد الإيطالي لا ينفصل عن أسئلة أوسع بشأن ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع جودة الخدمات، وهي مطالب حضرت في المسيرات التي سبقت المواجهات، وفق رويترز.
البرتغال.. أزمة السكن تشعل الغضب
وفي لشبونة، خرج آلاف الأشخاص في احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وصعوبة الحصول على مسكن. ونصب محتجون خيامًا في ساحة روسيو وسط العاصمة، في تعبير رمزي عن أزمة السكن التي تثقل كاهل الشباب والأسر محدودة الدخل. ووفق بيانات رسمية أوردتها وكالة فرانس برس، ارتفعت أسعار العقارات في البرتغال بنحو 124% بين عامي 2015 و2024، أي بأكثر من ضعف الزيادة المسجلة في أوروبا خلال الفترة نفسها.
غضب عابر للحدود.. لكن الاحتجاجات ليست حركة موحدة
ورغم تشابه الشعارات، فتختلف أسباب التحركات من بلد إلى آخر. فالتعليم والقدرة الشرائية يتصدران المشهد الفرنسي والبلجيكي، بينما تبرز تكاليف المعيشة والخدمات في إيطاليا، وأزمة السكن والأجور في البرتغال. ولا تشير التقارير إلى وجود قيادة موحدة تجمع المحتجين، بل إلى تحركات منفصلة تتقاطع عند الإحباط من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وبين أوراق الخريف المتساقطة وشوارع المدن التي شهدت الحرائق والاشتباكات، تواجه الحكومات الأوروبية اختبارًا يتجاوز استعادة النظام العام. فالتعامل الأمني قد يوقف المواجهات مؤقتًا، لكنه لا يعالج بمفرده أزمات السكن والتعليم والقدرة الشرائية. ويبقى السؤال: هل تنجح الحكومات في تحويل الغضب الشعبي إلى إصلاحات ملموسة، أم يعود المتظاهرون إلى الشوارع مع استمرار الضغوط المعيشية؟