
أعلنت لجنة الانتخابات الإسرائيلية، أن تدقيقها في التصويت الذي أجري الأسبوع الماضي "لم يُظهر أي مخالفات تمسّ نزاهة الاقتراع"، رغم ضغوط فريق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك قبل ساعات من بدء المشاورات لتشكيل الحكومة المقبلة. وقالت اللجنة في بيان لها قبل ساعات من تسلّم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ النتائج رسميا "اكتمل التدقيق. وراجعنا جميع الشكاوى التي تقدّمت بها القوى السياسية، ولم نجد ما يشير إلى أيّ مساس بنزاهة الانتخابات".
وأوضحت لجنة الانتخابات الإسرائيلية في بيان أنها درست جميع الطعون التي تقدّم بها أحزاب أو أفراد، ودقّقت في أكثر من 9 آلاف صندوق اقتراع، وهو "عدد غير مسبوق". وكرّر نتنياهو وحزبه الليكود خلال الأيام الأخيرة اتهام الأحزاب العربية في إسرائيل بالتزوير، بعدما فازت بعدد قياسي من المقاعد في اقتراع 27 أكتوبر/تشرين الأول، مما أسهم في حرمان رئيس الوزراء من الغالبية. ودفعت هذه الضغوط المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف-ميارا إلى التدخل مساء أمس في خطوة غير معهودة، إذ طالبت رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) دافيد زيني، المقرّب من نتنياهو، بتقديم أي أدلة لديه تدعم اتهامات التزوير. وبذلك، أعلنت اللجنة خلاصة تدقيقها قبيل مشاورات يجريها الرئيس الإسرائيلي لاختيار المرشّح الذي يراه الأقدر على تشكيل الحكومة المقبلة. من جهته، دعا هرتسوغ الأحزاب السياسية إلى إبداء المرونة والتسليم بأنه "لا يمكن الوفاء بكل الالتزامات والوعود"، وذلك عقب انتخابات تشريعية لم تُفضِ إلى حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على غالبية تتيح تشكيل حكومة. وقال هرتسوغ خلال تسلّمه النتائج الرسمية للانتخابات "أنا لا أطلب من أحد التخلي عن قيمه الأساسية، لكن في ظل الواقع الراهن، وفي غياب فائز واضح في الانتخابات، أدعو إلى التحلي بالأصالة، والتفكير الخلاق، والشجاعة، وافتراض حسن النيات، وإبداء المرونة وروح التفاهم، حتى تخرج دولة إسرائيل منتصرة".
المصادقة النهائية على النتائج
وصادقت لجنة الانتخابات المركزية للكنيست رسميا، على نتائج انتخابات الكنيست الـ26، تمهيدا لرفعها إلى هرتسوغ، وفق ما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية. وأوضحت الهيئة أن 15 عضوا في الهيئة العامة للجنة صوتوا لصالح إقرار النتائج، في حين عارضها عضوان وامتنع 14 عن التصويت. وكان ممثلا حزبي "يش عتيد" و"أزرق أبيض" قد أيدا النتائج في هيئة رئاسة اللجنة، بينما امتنع ممثلو حزبي الليكود وشاس.
وفي سياق متصل، ذكرت هيئة البث أن ممثل الليكود عميت هليفي استقال من لجنة الانتخابات، احتجاجا على قرار حزبه الامتناع عن التصويت بدلا من معارضة النتائج. أما حزب "عوتسما يهوديت" فصوت ضد المصادقة، زاعما أن الانتخابات شهدت تلاعبا وتدخلا أجنبيا. ومن المقرّر أن يبدأ هرتسوغ عند الساعة 15.00 بتوقيت غرينتش استقبال ممثّلي الأحزاب التي فازت بمقاعد في الكنيست. ويُتوقّع أن تطول المشاورات وتكون شاقّة، إذ لم يحصل أيّ من التكتلين على الغالبية المطلقة البالغة 61 مقعدا في الكنيست. وفاز فريق نتنياهو بـ53 مقعدا، وحصد التكتل الرئيسي للمعارضة بقيادة السياسي الوسطي غادي آيزنكوت 48 مقعدا، بينما حصلت القوائم العربية على 19 مقعدا.
الحريديم يعقّدون حسابات تشكيل الحكومة
يحاول معسكر التغيير في إسرائيل استمالة تحالف "يهدوت هتوراه" الحريدي إلى صفوفه، عبر التوافق على قانون لتجنيد الحريديم في الجيش، في خطوة تثير قلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي بادر إلى الاتصال بممثلي التحالف لإبقائهم ضمن معسكر اليمين. ويأتي هذا التحرك في وقت يواجه فيه نتنياهو صعوبة في الحفاظ على تحالفاته التقليدية مع الأحزاب الحريدية، بعدما تحولت أزمة قانون التجنيد إلى نقطة خلاف تهدد الشراكة التي جمعت الليكود بحزبي "يهدوت هتوراه" و"شاس" على مدى عقود.
لكن الخبير في الشأن الإسرائيلي نهرو جمهور يرى، أن فرص انتقال الحريديم إلى معسكر التغيير بزعامة غادي آيزنكوت لا تزال أقرب إلى الطرح النظري منها إلى الواقع العملي، معتبرا أن موقف "يهدوت هتوراه" قد يكون مناورة للضغط على نتنياهو وانتزاع تنازلات منه، وليس مؤشرا على تحول حقيقي في تحالفاته السياسية. ويشير جمهور إلى أن الحريديم ظلوا طوال العقود الثلاثة الماضية أقرب إلى الشراكة مع اليمين، ولا يبدو واضحا أن زعيم معسكر التغيير آيزنكوت قادر على تقديم مكاسب لهم تتجاوز ما حصلوا عليه في عهد نتنياهو. وتأتي هذه التجاذبات في ظل دخول إسرائيل مرحلة تشكيل الحكومة، بعد أن أنهت لجنة الانتخابات المركزية مراجعة نتائج انتخابات الكنيست وصادقت عليها رسميا، لتضع بذلك حدا لحملة التشكيك التي قادها معسكر نتنياهو في نتائج الاقتراع. وكانت اللجنة قد أعلنت عدم رصد أي مخالفات تمس نزاهة العملية الانتخابية أو تؤثر في نتائجها، مؤكدة أنها فحصت محاضر 9069 مركز اقتراع، إلى جانب الطلبات والاعتراضات التي تقدمت بها الأحزاب والمرشحون والجمهور. وصوتت الهيئة العامة للجنة على نشر النتائج، بأغلبية 15 عضوا، مقابل امتناع 14 ومعارضة اثنين. وأوضح مراسلنا أن التصويت لا يغير من الوضع القانوني للنتائج، إذ إن اللجنة ملزمة بنشرها رسميا، وتسليمها إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ. وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، تسلم هرتسوغ النتائج من رئيس اللجنة القاضي نوعام سولبرغ، الذي حذر من أن التشكيك فيها يشكل خطرا حقيقيا على الديمقراطية الإسرائيلية.
مشاورات التكليف وحسابات الأحزاب
وبالتزامن مع اعتماد النتائج، بدأ هرتسوغ مشاورات تستمر يومين مع ممثلي الأحزاب التي تجاوزت نسبة الحسم ودخلت الكنيست، بهدف معرفة مرشح كل حزب لتشكيل الحكومة المقبلة. وحتى الآن، يحظى آيزنكوت بتوصيات 48 عضوا في الكنيست، مقابل 46 لنتنياهو، في وقت لا يزال فيه تحالف "يهدوت هتوراه" مترددا في حسم موقفه. وتشير التقديرات إلى أن توصيات نتنياهو ستأتي من أحزاب الليكود و"عوتسما يهوديت" و"شاس" و"الصهيونية الدينية"، بينما قد تبقى مقاعد "يهدوت هتوراه" السبعة خارج حسابات المعسكرين خلال المشاورات. في المقابل، أعلنت القائمة العربية الموحدة أنها ستوصي بتشكيل آيزنكوت الحكومة الإسرائيلية. وإذا أضافت هذه الأحزاب توصياتها التسع عشرة إلى رصيد معسكر التغيير، فسيرتفع مجموع التوصيات المؤيدة له إلى 67 عضوا، وهو ما قد يعزز فرص تكليفه بتشكيل الحكومة بدلا من نتنياهو.
حسابات ما بعد التكليف
ومن المرجح أن يكون آيزنكوت صاحب الحظ الأوفر في الحصول على التكليف الأول، ليبدأ بعدها مهلة 28 يوما لتشكيل الحكومة، يمكن تمديدها 14 يوما إضافية. وإذا أخفق، تنتقل المهمة إلى نتنياهو، الذي سيحصل على المهلة نفسها لمحاولة تشكيل ائتلاف حكومي. ويرى مراسلنا أن نتائج الانتخابات لم تنه الانقسام في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، بل زادت المشهد تعقيدا، في ظل صعوبة جمع مكونات المعسكرين ضمن ائتلاف مستقر. وتبرز الأحزاب العربية بوصفها أحد مفاتيح هذه المعادلة، إذ وضعت شروطا لأي دعم محتمل لآيزنكوت، في حين يرفض هو وعدد من أحزاب معسكره إشراكها في الحكومة، سواء من خلال الانضمام إلى الائتلاف أو تقديم دعم خارجي له. وفي قراءة نهرو جمهور، فإن الأحزاب العربية خاضت الانتخابات بهدف إسقاط حكومة نتنياهو وتحالفه مع إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وقد تحقق هذا الهدف من خلال صناديق الاقتراع. ويقول جمهور إن مطالب هذه الأحزاب ليست تعجيزية، بل تتمثل في الحصول على اعتراف عام بمسار سياسي فلسطيني، إلى جانب تخصيص ميزانيات لمعالجة قضايا حياتية ملحة، مثل مكافحة الجريمة والعنف وتحسين التعليم. وأشار إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناتان الـ12 والـ13، روجت لهذا التوصيف لمطالب الأحزاب العربية. ويرى أن مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة المقبلة، إن حدثت، قد تشكل سابقة في الحياة السياسية الإسرائيلية، رغم العقبات التي يضعها عدد من أحزاب معسكر التغيير أمام هذا الخيار.
التشكيك في شرعية الانتخابات
وفي موازاة معركة تشكيل الحكومة، يحذر جمهور من أن الليكود بدأ العمل على بناء سردية سياسية تشكك في شرعية الانتخابات، بما قد يفتح الباب أمام تعطيل انتقال السلطة والعودة إلى صناديق الاقتراع. ويشير إلى أن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) ديفيد زيني، الذي عينه نتنياهو وفق معيار الولاء، يجري توظيفه سياسيا، عبر المطالبة بالتحقيق مع رؤساء الكتل العربية، في خطوة يراها محاولة للطعن في شرعية الانتخابات ونتائجها. وبحسب جمهور، فإن الهدف من هذه التحركات هو عرقلة تشكيل حكومة جديدة ودفع البلاد نحو انتخابات أخرى، محذرا من أن هذا السيناريو يمثل تطورا خطيرا على النظام الديمقراطي الإسرائيلي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يذهب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى أبعد من التشكيك في النتائج، مطالبا بإجراء محاكمات وإلغاء الانتخابات، في تصعيد يعكس حجم الصراع السياسي الذي دخلته إسرائيل بعد الاقتراع، ويزيد تعقيدات المرحلة المقبلة.